أخبارنا المغربية- حنان سلامة
انتشرت خلال الأيام الأخيرة صورة مثيرة للجدل لكوكب الأرض نشرتها وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، تُظهر الكوكب بشكل غير منتظم يشبه "حبة البطاطا" المنتفخة، بدل الشكل الكروي المألوف الذي اعتاد الناس رؤيته، ما أثار موجة واسعة من التساؤلات والمغالطات على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتقد أن الأرض ليست كروية فعلاً، ومن اتهم الوكالة بنشر صورة "مفبركة" أو "خادعة".
ما هي هذه الصورة فعلياً؟
الصورة المتداولة ليست صورة فوتوغرافية بالمعنى المعتاد، بل هي تصور بصري ثلاثي الأبعاد لما يُعرف علمياً بـ"الجيويد" (Geoid)، وهو نموذج علمي دقيق يوضح كيف تتفاوت قوة الجاذبية الأرضية من منطقة لأخرى على سطح الكوكب. وقد بُني هذا النموذج اعتماداً على بيانات جُمعت طيلة 15 عاماً من عدة أقمار صناعية متخصصة في قياس مجال الجاذبية الأرضية، وليس على صورة التقطتها كاميرا عادية من الفضاء.
لماذا تبدو الأرض "منتفخة ومشوهة" في هذا النموذج؟
الجواب يكمن في مبدأ علمي بسيط: عكس الاعتقاد الشائع بأن الجاذبية الأرضية ثابتة ومتساوية في كل نقطة من الكوكب، فإن قوة الجاذبية تتفاوت فعلياً بشكل طفيف من منطقة لأخرى، بسبب عوامل عدة أبرزها التوزيع غير المتكافئ للكتلة بين المحيطات والقارات والمسطحات الداخلية العميقة، إضافة إلى متغيرات مرتبطة بالمناخ كذوبان الأنهار الجليدية أو اتساعها.
ولأن هذه الاختلافات في الجاذبية طفيفة جداً في الواقع، ولا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة أو الشعور بها فعلياً عند الوقوف على سطح الأرض، يلجأ العلماء إلى تضخيم هذه الفروقات بصرياً بشكل مبالغ فيه (Exaggerated Visualization) لجعلها مرئية وقابلة للدراسة في نموذج ثلاثي الأبعاد، وهو بالضبط ما يفسر الشكل "المنتفخ" و"غير المنتظم" الذي تظهر به الأرض في هذه الصورة تحديداً.
سابقة معروفة علمياً منذ سنوات.. لا اكتشاف جديد
هذا النوع من التصورات ليس جديداً كلياً على الأوساط العلمية، إذ سبق أن نشر مركز الأبحاث الألماني للجيوفيزياء (GFZ) نموذجاً مشابهاً يُعرف باسم "بطاطاس بوتسدام للجاذبية" (Potsdam Gravity Potato)، اعتماداً على بيانات أقمار صناعية متخصصة مثل "غريس" و"غوس". فما نشرته "ناسا" مؤخراً هو نسخة محدثة وأكثر دقة من نفس المفهوم العلمي القديم نسبياً، مبنية على حسابات عالمية أشمل، وليس اكتشافاً يقلب المفاهيم العلمية المستقرة رأساً على عقب.
الرد على المغالطة الأكبر: هل الأرض ليست كروية إذن؟
هنا تكمن المغالطة الأخطر التي روّجت لها بعض المنشورات: اعتبار هذه الصورة "دليلاً" على أن الأرض ليست كروية، أو حتى استغلالها من طرف أنصار نظرية "الأرض المسطحة". والحقيقة العلمية الثابتة والموثقة بآلاف القياسات الفلكية والجيوديسية المستقلة، هي أن الأرض كروية الشكل بشكل عام، وإن لم تكن كرة مثالية تماماً، بل أقرب إلى الشكل الإهليلجي (البيضاوي) قليلاً، بسبب تسطح طفيف عند خط الاستواء ناتج عن قوى الطرد المركزي لدوران الكوكب حول نفسه. أما "الجيويد" فهو ببساطة أداة علمية متخصصة لدراسة تفاوتات الجاذبية فقط، ولا علاقة له إطلاقاً بإعادة تعريف الشكل الهندسي العام للكوكب.
