أخبارنا المغربية - عبد الإله بوسحابة
مع اندلاع المواجهة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة ثانية، لم تقتصر تداعيات الحدث على حدود الجغرافيا المشتعلة، بل امتدت إلى عمق الساحة المغربية، حيث انقسم الرأي العام بشكل غير مسبوق بين مؤيد لطهران ومناصر لواشنطن وتل أبيب.
هذا الانقسام لا يمكن اختزاله في مواقف سياسية جامدة، بل تتداخل فيه اعتبارات دينية ومذهبية ووطنية واستراتيجية. ومن هذا المنطلق، يقدم الدكتور "عبد الهادي مزراري"، الخبير في العلاقات الدولية، قراءة تحليلية شاملة لما جرى ويجري، باحثا عن خيط الفهم وسط دخان المعركة، متسائلا عن "المنتصر الغائب" في حرب قد لا تترك خلفها سوى الخسائر.
وبداية من هذا الانقسام الداخلي، يرى الدكتور "مزراري" أن شريحة من المغاربة الذين عبروا عن دعمهم لإيران يستندون إلى شعور بالانتماء الديني العام، باعتبارها دولة مسلمة تواجه إسرائيل، أو إلى تعاطف مذهبي خاص لدى من يتبنون الفكر الشيعي، وهو ما لم يكن متوقعا لدى كثيرين داخل المجتمع المغربي. ويعتبر هؤلاء بحسب رواية المتحدث، أن طهران تتعرض لظلم تاريخي، خصوصا من قبل إسرائيل التي ارتبط اسمها، منذ إعلان قيامها سنة 1948 فوق أرض فلسطين، بصراعات دامية مع الدول العربية والإسلامية.
في المقابل، وارتباطا بخلفيات سياسية وأمنية، أشار المتحدث ذاته إلى بروز تيار مغربي آخر يناهض إيران ويؤيد الولايات المتحدة وإسرائيل، انطلاقا من قناعة مفادها أن النظام الإيراني، منذ تأسيسه سنة 1979، لم يتوقف عن الإساءة إلى المغرب. ويتجلى ذلك، بحسب هذا الرأي، في محاولات التغلغل الشيعي تحت شعار "تصدير الثورة"، وفي الاصطفاف إلى جانب خصوم الوحدة الترابية، عبر دعم جبهة البوليساريو من خلال وكلاء إقليميين، من بينهم حزب الله اللبناني والنظام الجزائري.
وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى هذا الفريق -وفق رواية مزراري- أن طهران لا تملك ما يشفع لها في علاقتها بالرباط، بينما قدمت الولايات المتحدة، خصوصا في عهد الرئيس "دونالد ترامب"، دعما استراتيجيا تجسد في الإعلان الصادر بتاريخ 10 دجنبر 2020 بشأن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.
إلى جانب ذلك، يرى "مزراري" أن أنصار هذا التوجه يستحضرون أيضا موقف إسرائيل الداعم للوحدة الترابية للمملكة، معتبرين أن ذلك يشكل مبررا سياسيا لمساندتها في مواجهة إيران، مع التعبير عن خيبة أمل تجاه مواقف بعض الدول التي تجمعها بالمغرب روابط قوية لكنها لم تصطف إلى جانبه في قضاياه المصيرية.
وبالانتقال من السياق المغربي إلى مسرح الأحداث الدولي، يوضح الدكتور "عبد الهادي مزراري" أن هجوم 28 فبراير 2026، الذي شنته إسرائيل بدعم أمريكي وأدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي إلى جانب عدد من القادة السياسيين والعسكريين، لم يكن عملا معزولا، بل حلقة في سلسلة صراع بدأ ولم يُحسم.
وفي هذا الإطار، يستعيد الدكتور "مزراري" ما عُرف بـ"حرب الاثني عشر يوما" في يونيو الماضي، والتي اندلعت عقب هجوم إسرائيلي أربك مسار التفاوض الذي كانت واشنطن قد فتحته مع طهران. وفي هذا الصدد، يرى المتحدث ذاته أن تلك الحرب كانت مرشحة لإلحاق دمار واسع بإسرائيل لولا تدخل الولايات المتحدة بحركة مدروسة ومتفق عليها مع إيران، انتهت بتبادل ضربات محدودة، شملت قصفا إيراني لقاعدة أمريكية في قطر دون خسائر حاسمة، وضربات أمريكية لم تدمر المنشآت النووية الإيرانية، مشيرا إلى أن ما حصل لم يكن وقفا لإطلاق النار بقدر ما كان استراحة مقاتلين يستعدان لجولة أشد.
وفي ضوء هذا الشعور الإسرائيلي بالتهديد الوجودي، يؤكد الدكتور "مزراري" أن تل أبيب أدركت اليوم أن إيران لم تعد مجرد "بعبع" سياسي، بل خصم قادر على إلحاق ضرر وجودي بها. ومن هنا، لم يتوقف رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" عن التفكير في استئناف الحرب، رغم انشغاله بحرب غزة والمواجهة في لبنان وهجمات الحوثيين، مدفوعا بضغوط التيار الديني المتشدد الذي رفع شعار الحسم النهائي.
غير أن السؤال الحاسم لم يكن متعلقاً بالرغبة الإسرائيلية في الحرب، بل بمدى استعداد الولايات المتحدة لخوضها. لأجل ذلك يرى الخبير المغربي أن واشنطن تعيش تحولا عميقا في استراتيجيتها الدولية تحت شعار "أمريكا أولا"، في ظل صعود الصين وتنامي النفوذ الروسي، مشددا على أن "ترامب" يتبنى مقاربة تقوم على "السلام بالقوة"، في إشارة إلى استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لتحسين شروط التفاوض، لا التورط في نزاعات طويلة الأمد.
غير أن هذه الرؤية -بحسب مزراري- لم تكن منسجمة مع الأهداف الإسرائيلية المعلنة، والتي حددها "نتنياهو" في منع إيران من التكنولوجيا النووية، ومن تطوير صواريخ بعيدة المدى، ومن مواصلة سياسة دعم الوكلاء في المنطقة. وبينما كانت جولات التفاوض بين مسقط وجنيف مستمرة، أشار المحدث إلى أن المبعوث الأمريكي لم يتمكن من انتزاع تنازلات حاسمة، خاصة بعد إصرار وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" على استبعاد ملف الصواريخ من النقاش، مع الاعتراف بامتلاك مخزون من اليورانيوم المخصب يكفي لإنتاج قنابل نووية.
وبالتوازي مع المسار الدبلوماسي، أوضح "مزراري" أن خطة الهجوم كانت تُحاك بتنسيق استخباراتي أمريكي-إسرائيلي، على قاعدة "قطع رأس الأفعى". وعندما أُعطيت الإشارة بانطلاق العملية، نُفذت الضربة التي اعتُقد أنها ستُسقط النظام عبر إحداث صدمة داخلية تعقبها انتفاضة شعبية واضطراب مؤسساتي، على غرار ما حدث في العراق بعد سقوط "صدام حسين" أو في ليبيا بعد مقتل "معمر القذافي"، وفق تعبير المتحدث.
لكن، وكما يشير الدكتور "مزراري"، جاءت النتائج معاكسة لكل التوقعات. فمقتل خامنئي، البالغ من العمر 88 عاما، لم يؤد إلى انهيار النظام، بل حوّله في نظر أنصاره إلى رمز "استشهادي"، وأخرج الملايين إلى الشوارع في إيران، وانضمت إليهم جماهير شيعية في مناطق مختلفة. وهكذا تحولت الضربة إلى وقود جديد يعيد تعبئة الأيديولوجيا الرسمية.
ومن هنا، يخلص الدكتور "عبد الهادي مزراري" إلى أن النظام الإيراني قد يعيد ترتيب صفوفه تحت قيادة قد تبقى خفية أو تظهر بأسماء واجهة، مستفيدا من التصعيد العسكري عبر ضربات صاروخية ضد إسرائيل، وهجمات على قواعد أمريكية، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وتحريك الوكلاء في اليمن ولبنان والعراق. وهو ما يفتح الباب أمام احتمال توسيع دائرة الحرب لتشمل أطرافا إضافية، سواء من الناتو أو من دول عربية.
وفي المحصلة، تبدو جميع الأطراف مهددة بالاستنزاف. إسرائيل تواجه حربا متعددة الجبهات، والولايات المتحدة تخاطر بالغرق في مستنقع خليجي جديد، فيما تترقب قوى كبرى مثل الصين وروسيا لحظة إنهاك الجميع لتعزيز مواقعها في النظام الدولي. وهكذا يعود السؤال الجوهري: من سينتصر؟ أم أن الحرب، في صورتها الحالية، لا تبحث عن منتصر بقدر ما تهيئ المسرح لصعود قوى أخرى تنتظر انتهاء المعركة من بعيد؟
