أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
أثار الخطاب الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن ملف الصحراء المغربية موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما بدا واضحًا أن نبرة التعاطي مع هذا الملف شهدت تحولًا لافتًا في الأسلوب والمفردات، مقارنة بما كان سائدًا في خطابات سابقة اتسمت بحدة أكبر ووضوح أكثر في التعبير عن المواقف.
ففي قراءة للمشهد، يرى عدد من المتابعين أن هذا التغير اللافت في الإيقاع اللغوي يعكس محاولة لإعادة ضبط الخطاب السياسي الجزائري بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية.
جاء ذلك، في أعقاب مقابلة مع وسائل إعلام محلية، قدّم خلالها الرئيس الجزائري "عبد المجيد تبون" مقاربة يغلب عليها الطابع الهادئ، سيما بعد أن شدد على أن المسار الأممي للنزاع "يسير في اتجاه يتبلور دون عراقيل تُذكر"، في إشارة توحي بإعادة تموضع لغوي أكثر منه مراجعة في الجوهر.
كما أضاف تبون أن الإدارة الأمريكية مطلعة على مختلف المقترحات التي تطرحها الجزائر، وهي عبارة، بحسب محللين، تعكس حرصًا واضحًا على تثبيت الحضور داخل فضاء القرار الدولي، في ظل دينامية دبلوماسية متسارعة تشهدها القضية.
وتلفت مصادر مهتمة بملف النزاع إلى أن اللافت في هذه الخرجة الإعلامية لا يقتصر على ما قيل، بل يمتد إلى ما غاب عن الخطاب، حيث لم تُسجَّل أي إشارات تصعيدية تجاه المغرب، وهو ما اعتبر بحسب محللين خروجًا نسبيًا عن النسق التقليدي الذي كان يطبع الخطاب الجزائري في مراحل سابقة. ويُقرأ هذا التحول، وفق نفس التقديرات، باعتباره إعادة هندسة دقيقة لأسلوب التعبير السياسي أكثر منه تغييرًا في المواقف الجوهرية.
كما يأتي هذا التطور في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، خصوصًا بعد تجديد الولايات المتحدة لموقفها الداعم لمغربية الصحراء، وتشديدها على مركزية مبادرة الحكم الذاتي كإطار واقعي وذي مصداقية لتسوية النزاع
. وفي هذا السياق، تشير تقارير دبلوماسية إلى أن هذا التحول في المواقف الدولية يفرض على مختلف الأطراف إعادة صياغة خطابها السياسي، بما ينسجم مع ميزان قوى يميل تدريجيًا نحو الحلول العملية بدل الطروحات التقليدية.
ومن جهة أخرى، يرى مهتمون بالشأن المغاربي أن إشارة تبون إلى "علم الإدارة الأمريكية بالمقترحات الجزائرية" تحمل بعدًا سياسيًا مزدوجًا؛ فهي من جهة رسالة موجهة إلى الخارج لإبراز استمرار حضور الجزائر داخل النقاش الدولي، ومن جهة أخرى محاولة داخلية لإظهار أن الدبلوماسية الجزائرية ما تزال فاعلة في إدارة أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المنطقة. غير أن هذه المقاربة، وفق تقديرات تحليلية، تصطدم بتغير واضح في أولويات القوى الدولية، التي باتت تميل أكثر نحو مقاربة براغماتية للحل.
وفي المحصلة، تشير قراءات متعددة إلى أن ما يجري لا يتعلق بتحول في الموقف بقدر ما هو إعادة صياغة محسوبة للخطاب، في محاولة للتكيف مع واقع دولي جديد أكثر تشددًا في لغة السياسة وأقل تسامحًا مع الخطابات الإيديولوجية التقليدية. وهكذا، يظل ملف الصحراء المغربية مفتوحًا على توازنات دقيقة، تُدار فيها الرسائل السياسية بقدر كبير من الحذر، حيث باتت الكلمة نفسها جزءًا من أدوات إدارة الصراع بقدر ما هي انعكاس له.
