أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في وقت تتواصل فيه الحرب بالسودان مخلفةً آلاف الضحايا وملايين النازحين، تتعالى أصوات الخبراء والمحللين محذرة من خطورة استمرار هذا النزاع الذي لم يعد يقتصر تأثيره على الداخل السوداني فحسب، بل بات يلقي بظلاله على محيطه الإقليمي والدولي. وبينما تتكاثر المبادرات السياسية الرامية إلى إنهاء الأزمة، يطرح عدد من المتابعين تساؤلات جوهرية حول مدى جدية الأطراف المتحاربة في الانخراط الفعلي في مسار يقود إلى سلام دائم.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أمين صوصي علوي، الباحث في القضايا الجيوسياسية، أن المعطيات الميدانية والتطورات السياسية التي شهدها السودان خلال الفترة الأخيرة تشير إلى أن قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان في بورتسودان لا تنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة ينبغي إنهاؤها بشكل عاجل، بل باعتبارها أداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية داخلياً وإقليمياً.
وأوضح صوصي علوي، في تصريح خص به موقع "أخبارنا المغربية"، أن العديد من المبادرات السياسية المطروحة يتم توظيفها، في كثير من الأحيان، لإدارة الضغوط الدولية وكسب المزيد من الوقت، أكثر من استخدامها كمسارات فعلية للوصول إلى تسوية نهائية للأزمة. وأضاف أن استمرار النزاع يسمح بإعادة إنتاج معادلة "الأمن مقابل الاستقرار"، حيث يصبح المجتمع الدولي منشغلاً أكثر باحتواء تداعيات الحرب بدل معالجة أسبابها وجذورها الحقيقية.
وأشار الباحث إلى أن إطالة أمد الصراع من شأنها أن تحول السودان تدريجياً من أزمة داخلية إلى مصدر تهديد إقليمي واسع، يمتد تأثيره إلى أمن البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية والأمن الغذائي، فضلاً عن تدفقات الهجرة والنزوح التي تعبر القارة الإفريقية في اتجاه أوروبا.
وتابع المتحدث ذاته أن بعض القوى الإقليمية والدولية قد تجد في استمرار حالة عدم الاستقرار فرصة لتعزيز نفوذها وتوسيع حضورها الاستراتيجي في منطقة تُعد من بين الأكثر حساسية في العالم. ووفقاً لقراءته، فإن طول أمد الحرب يرفع من احتمالات تشكل شبكات نفوذ جديدة، ويزيد من مخاطر عسكرة الممرات البحرية، كما يمنح الفاعلين غير الحكوميين مساحة أكبر للتأثير في المشهدين الأمني والسياسي.
وفي معرض تحليله لمآلات الأزمة، حذر صوصي علوي من أن غياب ضغط دولي حاسم قد يؤدي إلى ترسيخ قناعة لدى الأطراف المتحاربة بأن تكلفة استمرار الحرب لا تزال أقل من تكلفة تقديم التنازلات السياسية الضرورية، الأمر الذي يجعل الصراع جزءاً من التوازن القائم بدل أن يظل وضعاً استثنائياً تسعى مختلف الأطراف إلى إنهائه.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، شدد الباحث على أن الاستجابة الأكثر نجاعة لا تكمن فقط في الدعوة إلى الحوار، بل تقتضي بناء منظومة ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية متدرجة على عبد الفتاح البرهان والجيش السوداني، بما يجعل خيار مواصلة الحرب أكثر كلفة من خيار التسوية السياسية.
وأكد المتحدث أن الهدف من هذا الضغط ليس معاقبة السودان أو إضعاف مؤسساته، وإنما دفع جميع الأطراف إلى إدراك أن استقرار البلاد ووحدة مؤسساتها وحماية مصالح شعبها تقتضي الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق التسوية السياسية الشاملة.
وفي ختام تصريحه، نبه الدكتور أمين صوصي علوي إلى أن ترك الأزمة السودانية دون معالجة جادة قد لا يفضي فقط إلى قيام دولة منهكة ومستنزفة، بل قد يخلق بؤرة عدم استقرار طويلة الأمد تمتد آثارها إلى الإقليم بأسره، بما في ذلك أمن البحر الأحمر وتدفقات الهجرة نحو دول الخليج وشمال إفريقيا وأوروبا.
وختم الباحث بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب ممارسة ضغط دولي حقيقي وفاعل على مختلف الأطراف المتحاربة، وعلى السلطة القائمة في بورتسودان بشكل خاص، من أجل الانخراط الجاد في مسار يفضي إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، بما يضع حداً لمعاناة الشعب السوداني ويفتح الباب أمام تسوية سياسية مستدامة.
