أخبارنا المغربية - عبدالإله بوسحابة
أكد الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، أن إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب لم يعد مجرد ورش قطاعي أو تدبير إداري ظرفي، بل أصبح خياراً استراتيجياً يرتبط ببناء الدولة الاجتماعية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية، مشدداً على أن المستشفى العمومي يظل الضامن الأساسي للعدالة الصحية والإنصاف المجالي والسيادة الصحية الوطنية.
وجاءت تصريحات بركة خلال الندوة التي نظمتها رابطة الأطباء الاستقلاليين حول موضوع "المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح"، حيث قدم رؤية متكاملة لإعادة بناء المنظومة الصحية الوطنية، انطلاقاً من تعزيز مكانة المستشفى العمومي وتطوير آليات الحكامة والتمويل وتثمين الموارد البشرية الصحية.
واستهل الأمين العام لحزب الاستقلال كلمته بالتأكيد على أن هذا النقاش يندرج ضمن التزامات الحزب السياسية الرامية إلى تعزيز المرفق العمومي والارتقاء بجودة الخدمات الأساسية، مبرزاً أن الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ليست مجرد نفقات عمومية، بل ركائز أساسية للكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتماسك الوطني.
وأشار بركة إلى أن المغرب نجح، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تحقيق أحد أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخه الحديث من خلال تعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وهو ما مكن ملايين المواطنين من الولوج إلى التغطية الصحية، غير أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في تحويل هذا الحق القانوني إلى حق فعلي يضمن الولوج إلى علاج جيد وقريب ومنصف.
وأوضح أن المستشفى العمومي لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مؤسسة علاجية أو فاعلاً صحياً كباقي الفاعلين، بل يمثل "القلب السيادي للمنظومة الصحية الوطنية"، بالنظر إلى الأدوار الحيوية التي يضطلع بها في استقبال الحالات المستعجلة، والتكفل بالأمراض المعقدة والنادرة، وتكوين الأطباء والممرضين، وضمان استمرارية الخدمات الصحية بالمناطق النائية التي لا تستقطب الاستثمارات الخاصة.
وفي تشخيصه لواقع القطاع الصحي، اعترف بركة بوجود اختلالات وتحديات هيكلية متراكمة تواجه المستشفى العمومي، مشيراً إلى أن تطور حاجيات المواطنين الصحية خلال العقود الأخيرة كان أسرع من وتيرة تطوير العرض الصحي العمومي، ما أدى إلى بروز ضغوط متزايدة على البنيات الصحية والموارد البشرية والتجهيزات، فضلاً عن تسجيل آجال انتظار طويلة في عدد من التخصصات والخدمات.
كما توقف عند ما وصفه بالمفارقة التي أفرزها تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مبرزاً أن نسبة كبيرة من نفقات التأمين الصحي يتم توجيهها نحو القطاع الخاص، في حين تبقى تكلفة العلاج داخل المؤسسات الخاصة أعلى بكثير مقارنة بالمستشفيات العمومية، معتبراً أن استدامة منظومة التغطية الصحية الشاملة تقتضي تقوية المستشفى العمومي حتى يواصل أداء أدواره الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء.
وأكد بركة أن الرأسمال الحقيقي للمنظومة الصحية لا يتمثل في البنايات والتجهيزات فقط، بل في النساء والرجال الذين يسهرون يومياً على علاج المواطنين، داعياً إلى اعتماد ميثاق جديد مع مهنيي الصحة يقوم على التحفيز والاعتراف بالكفاءة وتحسين ظروف العمل والتكوين المستمر، بما يسمح بالحفاظ على الكفاءات الوطنية داخل المستشفيات العمومية والحد من نزيف هجرة الأطر الصحية.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة تكوين أعداد أكبر من الأطباء والممرضين، وضمان توزيع أكثر عدالة للكفاءات بين مختلف جهات المملكة، مع توفير تحفيزات إضافية للعاملين بالمناطق النائية والصعبة، حتى لا تظل جودة الخدمات الصحية رهينة بالفوارق المجالية.
ودعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى إعادة بناء ما وصفه بـ"خط الدفاع الأول" للمنظومة الصحية، عبر تعزيز طب القرب وتعميم الطبيب المرجعي وتطوير المراكز الصحية وتجهيزها بالموارد البشرية والتقنية اللازمة، مع اعتماد مسارات علاجية واضحة تربط بين مختلف مستويات الرعاية الصحية وتستفيد من إمكانيات الرقمنة والتطبيب عن بعد.
كما طالب بإرساء حكامة جديدة تمنح المؤسسات الاستشفائية العمومية استقلالية أكبر في التدبير واتخاذ القرار، مقابل إخضاعها لمنطق التقييم والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج، بما يضمن تحسين جودة الخدمات ورفع مردودية المؤسسات الصحية.
وفي الجانب المالي، دعا بركة إلى تخصيص اعتمادات واضحة ومستدامة للمهام ذات الطابع الاجتماعي التي يضطلع بها المستشفى العمومي، وعلى رأسها خدمات المستعجلات والتكفل بالأمراض النادرة والحالات المعقدة، مقترحاً إحداث صندوق وطني للاستثمار الاستشفائي يواكب تحديث البنيات التحتية والتجهيزات والمنصات التقنية بمختلف المؤسسات الصحية.
وخصص بركة حيزاً مهماً من مداخلته للحديث عن واقع المستعجلات، معتبراً أن إنقاذ الأرواح يقتضي الانتقال من منطق تدبير الحالات بشكل مجزأ إلى منطق بناء سلسلة وطنية متكاملة للإنقاذ والتدخل السريع، تقوم على رقم اتصال موحد ومنظومة رقمية متطورة تسمح بالتوجيه الفوري للمرضى نحو المؤسسات القادرة على التكفل بهم في الوقت المناسب.
وفي هذا الإطار، دعا إلى إحداث وكالة وطنية للمستعجلات الطبية تتولى وضع القواعد والمعايير الوطنية الموحدة، مع تمكين المجموعات الصحية الترابية من الاضطلاع بالدور التنفيذي الميداني في تدبير مسارات التكفل بالحالات الاستعجالية، فضلاً عن تطوير تخصص طب المستعجلات وتكوين أطر طبية وتمريضية متخصصة في هذا المجال.
كما شدد على أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة والمعطيات الرقمية في الزمن الحقيقي لمعرفة الأسرة المتوفرة وغرف العمليات وسيارات الإسعاف والأطر الطبية المداومة، بما يضمن سرعة التدخل ونجاعة التكفل بالمرضى، خاصة في الحالات الحرجة التي يكون فيها عامل الزمن حاسماً.
ولم يفت بركة التأكيد على أهمية تطوير خدمات الإسعاف الطبي المتخصص وتعزيز حضورها بالمناطق الجبلية والقروية، عبر وحدات تدخل متقدمة وسيارات إسعاف مجهزة وربط مباشر بالتطبيب عن بعد مع المستشفيات الجامعية، فضلاً عن توسيع استعمال المروحيات الصحية عند الضرورة.
وفي ختام كلمته، شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن إصلاح المستشفى العمومي ليس مجرد إصلاح تقني أو إداري، بل هو اختيار مجتمعي يعكس طبيعة الدولة التي يريدها المغاربة، مؤكداً أن الرهان بعد نجاح ورش تعميم التغطية الصحية يتمثل اليوم في ضمان الولوج الفعلي إلى علاج جيد يحفظ الكرامة ويكرس المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن مستوى دخلهم أو مكان إقامتهم.
وختم بركة بالتأكيد على أن المغرب يحتاج إلى قطاع خاص قوي ومبتكر، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى مستشفى عمومي قوي وعادل وقادر على حماية الحق في الصحة، معتبراً أن قوة الدولة تقاس في نهاية المطاف بمدى شعور المواطن بأن وطنه حاضر إلى جانبه عندما يحتاج إلى العلاج والرعاية، ومؤكداً أن بناء مستشفيات جامعية وعمومية للتميز الطبي يجب أن يكون في صلب المشروع الصحي الوطني خلال السنوات المقبلة.
