أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في مشهد غير مسبوق، بدأت تتشكل داخل المجتمع المغربي خلال الأسابيع الأخيرة ظاهرة اجتماعية ونفسية معقدة، عنوانها العريض: “الامتناع عن اقتناء أضحية العيد احتجاجاً على الأسعار”. ظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالعجز المادي، بل تحولت لدى فئات واسعة، خاصة الهشة والفقيرة وحتى جزء من الطبقة المتوسطة، إلى موقف احتجاجي صامت ضد ما يعتبرونه انفلاتاً غير مفهوم في أسعار الأضاحي، وغياباً للرقابة الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
ولفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى السنة الماضية، حين قرر أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد، مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة وتداعيات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على القطيع الوطني وأسعار الماشية. القرار الملكي آنذاك، الذي أكد فيه جلالته أنه سيذبح نيابة عن الأمة وفق الضوابط الشرعية، خلف ارتياحاً واسعاً وسط المغاربة، لأنه رفع عن ملايين الأسر حرجاً اجتماعياً ونفسياً ثقيلاً، خصوصاً في ظل الغلاء الذي كان يطحن القدرة الشرائية للمواطنين.
أما هذه السنة، فقد بدا المشهد مختلفاً تماماً. فالأمطار كانت وفيرة مقارنة بالمواسم الماضية، والحكومة أكدت رسمياً أن العرض الوطني من الأغنام والماعز يتجاوز الطلب، مشيرة إلى توفر ملايين الرؤوس الموجهة للعيد، مع تأكيدها أن القطيع الوطني استعاد توازنه. لكن، وعلى خلاف ما كان منتظراً، لم تنخفض الأسعار بالشكل الذي كان يأمله المواطنون، بل إن عدداً كبيراً من الأسر فوجئ بأثمنة اعتبرتها “خيالية” و”منفصلة عن الواقع الاجتماعي”.
ووفق معطيات حصل عليها موقع “أخبارنا المغربية”، فإن أسعار الأضاحي تضاعفت بشكل لافت مقارنة بسنوات قليلة مضت، إلى درجة أن مبلغ 3000 درهم، الذي كان قبل سنوات يضمن اقتناء “راس السوق”، أصبح اليوم بالكاد يكفي لشراء خروف صغير الحجم.
هذا التناقض بين وفرة العرض وارتفاع الأسعار، فتح الباب أمام موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت دعوات متزايدة لمقاطعة شراء الأضاحي، ليس رفضاً للشعيرة الدينية في حد ذاتها، وإنما احتجاجاً على ما يعتبره كثيرون “جشع الشناقة والمضاربين”، وغياب تدخلات حقيقية لضبط السوق وحماية المستهلك.
غير أن النقاش سرعان ما تجاوز الجانب الاقتصادي، ليتحول إلى سجال مجتمعي حساس يمس عمق البنية النفسية والثقافية للمغاربة. فهناك من يرى أن الأضحية سنة مؤكدة تسقط شرعاً عن غير القادر، وأن الإنسان لا يكلف فوق طاقته، وبالتالي فلا مبرر لتحويل العيد إلى مصدر للضغط والاستدانة والمعاناة. وفي المقابل، يرى آخرون أن الأمر لا يتعلق فقط بحكم فقهي، بل بثقل اجتماعي ونفسي متجذر داخل المجتمع المغربي.
ذلك أن عيد الأضحى، بالنسبة إلى كثير من الأسر، ليس مجرد شعيرة دينية، بل مناسبة ترتبط بصورة الأب داخل الأسرة، وبمكانته الاجتماعية وسط العائلة والجيران والأقارب. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية. فعدد من الآباء يجدون أنفسهم تحت ضغط نفسي هائل، ليس فقط بسبب غلاء الأضحية، وإنما خوفاً من نظرة الأبناء، أو من المقارنات الاجتماعية القاسية التي تتضاعف خلال هذه المناسبة.
في الأحياء الشعبية والهامشية تحديداً، يتحول العيد أحياناً إلى اختبار مؤلم للكرامة الاجتماعية. فالأب الذي يعجز عن شراء الأضحية لا يواجه فقط عجزه المالي، بل يواجه أيضاً شعوراً داخلياً بالانكسار، خصوصاً حين يرى أبناءه يتابعون أجواء العيد عند الجيران أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم استعراض الأضاحي والأجواء الاحتفالية بشكل مبالغ فيه أحياناً.
الأخطر من ذلك، أن هذا الضغط الاجتماعي يدفع بعض الأسر إلى قرارات خطيرة، من قبيل الاستدانة أو اللجوء إلى قروض استهلاكية فقط من أجل “شراء فرحة العيد”، حتى وإن كان الثمن مزيداً من الاختناق المالي لأشهر طويلة بعد المناسبة.
وفي خضم هذا الواقع، يبدو أن حملات المقاطعة التي انتشرت هذه السنة تعكس تحولا عميقاً داخل المجتمع المغربي. فهي ليست مجرد دعوات افتراضية عابرة، بل مؤشر على بداية تشكل وعي جماعي جديد يرفض تحويل الشعائر الدينية إلى مناسبات للاستنزاف الاقتصادي والضغط النفسي.
كما تكشف هذه الظاهرة عن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي المطمئن بشأن وفرة القطيع واستقرار السوق، وبين الإحساس اليومي للمواطن البسيط الذي يقف داخل “السويقة” أو السوق الأسبوعي عاجزاً عن استيعاب كيف تحولت الأضحية إلى حلم بعيد المنال بالنسبة إلى فئات واسعة.
وبين من يتمسك بالشعيرة مهما كان الثمن، ومن يرى أن الكرامة المعيشية أولى من المظاهر الاجتماعية، يبقى المؤكد أن عيد الأضحى هذه السنة لم يعد مجرد مناسبة دينية فقط، بل تحول إلى مرآة تعكس حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها المغرب اليوم، حيث أصبح السؤال المؤلم عند كثير من الأسر ليس: “أي خروف سنشتري؟”، بل: “كيف سنشرح لأطفالنا أننا لن نذبح هذا العام؟”.
