أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
منذ أن قرر المغرب في أكتوبر 2018 تثبيت الساعة القانونية عند توقيت غرينيتش زائد ساعة واحدة (GMT+1) بشكل دائم، لم يعد النقاش حول التوقيت مجرد مسألة تقنية تتعلق بتحريك عقارب الساعة، بل تحول إلى قضية مجتمعية واسعة تمس الإيقاع اليومي للمغاربة وصحتهم وسلامتهم وشعورهم العام بالارتياح.
في هذا السياق، قدّم المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة (CAESD) ورقة تحليلية علمية مبنية على دراسات محكمة ومعطيات رسمية، خلصت إلى أن كلفة الساعة الإضافية تتجاوز ما يُروج له من مكاسب ظرفية.
التحليل ينطلق من معطى جغرافي بسيط لكنه حاسم: المغرب يقع فعلياً ضمن التوقيت الطبيعي لغرينتش، وعندما يعتمد GMT+1 بشكل دائم، خاصة خلال فصل الشتاء، فإنه يبتعد ساعة كاملة عن توقيته الشمسي. هذا الفرق ينعكس بيولوجياً على السكان، إذ تشير دراسات دولية إلى أن العيش في الجهة الغربية من المناطق الزمنية يرتبط بفقدان متوسط يقارب 19 دقيقة من النوم يومياً، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع مخاطر أمراض القلب واضطرابات الأيض والمزاج.
لدى المراهقين يتضاعف الأثر، حيث توثق أبحاث شبه تجريبية فقداناً يصل إلى 32 دقيقة من النوم بعد اعتماد التوقيت الصيفي، وهو ما ينعكس مباشرة على التركيز والتحصيل الدراسي. المعنى المبسط لذلك أن الجسم يُجبر على الاستيقاظ والعمل قبل اكتمال دورته البيولوجية الطبيعية، ما يخلق حالة "عجز نوم" مزمن تتراكم آثارها على المدى الطويل.
وتشير ذات الدراسة إلى أن هذا الاضطراب لا يظل شأناً فردياً، بل يمتد إلى المجال العام، خاصة في ما يتعلق بالسلامة الطرقية. الأدبيات الدولية تشير إلى أن الصباح المظلم يرتبط بارتفاع مخاطر حوادث السير في المناطق الواقعة غرب التوقيت القانوني المعتمد. ورغم أن العلاقة في الحالة المغربية تحتاج إلى دراسات سببية دقيقة، فإن المعطيات الرسمية الصادرة عن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) تُظهر استمرار أرقام مقلقة للوفيات، ما يجعل عامل الإضاءة الطبيعية في ساعات الذروة الصباحية متغيراً لا يمكن تجاهله في أي تقييم موضوعي.
أما حجة ترشيد استهلاك الطاقة، فتبدو أقل صلابة مما يُعتقد. حيث تؤكد الورقة التحليلية أن تجارب دولية لم تثبت توفير كميات مهمة بعد اعتماد التوقيت الصيفي الدائم، بل إن بعض الدراسات سجلت ارتفاعاً طفيفاً في الاستهلاك بسبب زيادة استعمال التكييف مساءً مع الغروب المتأخر. في السياق المغربي، حيث يمتد استعمال أجهزة التبريد في فترات معينة من السنة، قد تُلغى كميات الإنارة بارتفاع الاستهلاك المسائي، وهو ما يتطلب نشر بيانات ساعية مفصلة لتقييم الأثر الحقيقي بدل الاكتفاء بتقديرات عامة.
اقتصادياً، توضح الدراسة أن توقيت GMT+1 يمنح ساعة تداخل إضافية مع أوروبا القارية شتاءً، وهو مكسب يخدم بعض القطاعات الموجهة للتصدير والخدمات العابرة للحدود. غير أن هذا المكسب يظل قطاعياً ومحدوداً، ولا يلغي الكلفة الاجتماعية الأوسع. كما أن التحولات الرقمية والعمل عن بعد قلصت من أهمية التداخل الزمني الصارم، ما يجعل الحجة الاقتصادية أقل حسماً مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
إلى جانب الأبعاد الصحية والاقتصادية في هذه الدراسة، يبرز بعد نفسي ومجتمعي لا يقل أهمية. حيث تشير الورقة التحليلية إلى أنه منذ اعتماد الساعة الإضافية، شهدت الساحة الوطنية حملات رقمية متكررة تدعو إلى العودة للتوقيت القانوني الطبيعي، وامتلأت المنصات الاجتماعية بوسوم رافضة لما يسميه البعض بـ"الساعة المشؤومة". كما عرفت المؤسسة التشريعية نقاشات حادة، واهتز البرلمان أكثر من مرة على وقع غضب شعبي عبّر عنه ممثلو الأمة. هذا التفاعل المتواصل يعكس أن المسألة لا تُختزل في حساب ساعات، بل تمس شعوراً عاماً بالانسجام أو الاغتراب الزمني. عندما يشعر المواطن أن إيقاع يومه مفروض عليه بشكل يتعارض مع منطق الطبيعة، فإن الأثر النفسي يتجاوز الحسابات التقنية.
من هذا المنظور، فإن إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينتش قد لا يعني فقط تصحيحاً زمنياً، بل قد يشكل راحة نفسية جماعية لفئات واسعة تعتبر نفسها متضررة من الصباح المظلم والاضطراب المتكرر. الشعور بالانسجام بين الوقت القانوني والوقت الطبيعي يعزز الإحساس بالاستقرار والوضوح، وهو عنصر معنوي مهم في الثقة بين المواطن وصانع القرار.
خلاصة ورقة المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة أن النقاش حول الساعة القانونية هو نقاش سيادي بامتياز، يتطلب موازنة دقيقة بين مكاسب اقتصادية محدودة وكلفة صحية واجتماعية ونفسية أوسع. القرار في النهاية ليس تقنياً فقط، بل سياسي واستراتيجي، لأنه يتعلق بجودة الحياة اليومية للمغاربة و بالتوازن بين تنافسية الاقتصاد ورفاه المجتمع.
