أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في سياق يتسع فيه الجدل حول حدود الفعل الرقمي، ودرجة المسؤولية المرتبطة بالنشر عبر المنصات الاجتماعية، عادت قضية "هشام جيراندو" إلى الواجهة من جديد، عقب صدور حكم قضائي حديث عن المحكمة العليا في كيبيك – دائرة مونتريال بكندا، في ملف يتعلق بالتشهير والإساءة في حق مشتكيين مغربيين (ج.ل) و(م.ل).
وبحسب تقارير خاصة، فقد قضت المحكمة في حكمها الصادر بتاريخ 20 ماي 2026 بإدانة المعني بالأمر في هذا الملف، حيث أمرته بإزالة جميع الفيديوهات والمنشورات التي اعتُبرت تشهيرية من مختلف المنصات المتاحة للعموم، مع منع دائم من إعادة نشر أو بث أي محتوى أو تصريحات تمس بسمعة المدعيين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى جانب إلزامه بأداء تعويضات مالية بلغت 100 ألف دولار لكل طرف، تشمل الأضرار المعنوية وما ترتب عنها من تبعات نفسية واجتماعية، فضلاً عن تعويضات عقابية إضافية.
هذا الحكم الجديد الصادر في حق "خائن الوطن"، يعيد إلى الواجهة نقاشاً أعمق من مجرد واقعة فردية، يتعلق أساساً بطبيعة المحتوى الذي يتم استهلاكه وتداوله عبر الفضاء الرقمي، وحدود المسؤولية التي لم تعد تحاصر الناشر فقط، بل تمتد أحياناً إلى دائرة المتابعين والمشاركين في إعادة النشر والترويج.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال بالغ الأهمية حول طبيعة بعض الخطابات الرقمية التي تُقدَّم تحت عناوين براقة من قبيل "كشف الفساد" أو "نقل الحقائق"، بينما تكون في الواقع قائمة على سرديات غير مكتملة أو معطيات غير موثقة بشكل كافٍ، ما يجعل المتلقي، وخاصة فئة الشباب، في موقع هش أمام سيل من المعلومات التي يصعب التحقق من دقتها في اللحظة نفسها.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بشخص بعينه (جيراندو) بقدر ما يتعلق بنمط متكرر من المحتوى الرقمي الذي يُنتج خارج الأطر المهنية التقليدية، حيث تختلط فيه الأخبار بالتعليق، والمعلومة بالتأويل، والوثيقة بالتسريب، في غياب واضح في كثير من الأحيان لآليات التحقق الصارمة قبل النشر، لأن جيراندو من يعمل على شاكلته يتبنون معلومات "خام" يتوصلون بها عبر بريدهم الإلكتروني أو عبر واتساب أو ما شابه ذلك، تم يقدمونها عقب ذلك على شكل حقائق رسمية، والمتلقي بطبيعة الحال يستهلكها دون أدنى تحقق من صحتها، وفي كثير من الأحيان، يتحول ذلك المتلقي "الساذج" إلى مدافع شرس عنها.
بل إن الأخطر من ذلك أن هذا النوع من المحتوى لا يظل محصوراً في دائرة الجدل الإعلامي، بل قد يتجاوزها سريعاً نحو تداعيات قانونية ملموسة، خصوصاً في الدول التي تعتمد تشريعات صارمة في ما يتعلق بالتشهير والمس بالسمعة. وفي هذا السياق، فإن أي تفاعل غير واعٍ مع هذا المحتوى، سواء عبر إعادة النشر أو الترويج أو حتى البناء عليه في التعليقات، قد يتحول إلى فعل ذي تبعات قانونية دون أن يدرك صاحبه ذلك. فالمسألة لا تتعلق بالنشر فقط، بل أيضاً بسلسلة التفاعل التي قد تُفهم قانونياً كمسؤولية مشاركة أو مساهمة في نشر محتوى ضار. وقد أظهرت تجارب متعددة أن عدداً من الأشخاص وجدوا أنفسهم أمام مساءلات قانونية بسبب منشور عابر، أو تعليق سريع، أو حتى تفاعل بسيط ظنه صاحبه غير ذي أثر، قبل أن يتبين لاحقاً أن أثره القانوني كان أعمق بكثير مما توقع.
ومن هنا تتعزز الحاجة إلى رفع مستوى الوعي الرقمي، خاصة لدى فئة الشباب، بأن كل ما يُنشر على المنصات الاجتماعية ليس حقيقة مكتملة، وأن الخط الفاصل بين "الرأي" و"الادعاء" و"المعلومة المثبتة" أصبح أكثر دقة وتعقيداً من أي وقت مضى، وأن التسرع في التبني أو الترويج قد تكون له كلفة قانونية أو أخلاقية غير متوقعة.
وفي المحصلة، فإن القضية لا تختزل في اسم أو شخص أو واقعة معزولة، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في بنية الإعلام الرقمي نفسه، حيث لم يعد التأثير يقاس فقط بعدد المشاهدات أو حجم التفاعل، بل أيضاً بمدى احترام قواعد المسؤولية، وحدود الكلمة، وإدراك أثرها حين تتحول إلى مادة عامة قابلة للتداول الواسع والسريع.
