أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
رغم كم الصفعات المتتالية التي تلقتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة بسبب إقدام وكالتها الرسمية على نشر أخبار تبين مرارا وتكرارا أنها تفتقر إلى الدقة أو تستند إلى روايات سرعان ما تنهار أمام الحقائق والوقائع الموثقة، يبدو أن هذه المؤسسة الإعلامية الرسمية في الجزائر ما تزال مصرة على السير في النهج نفسه كلما تعلق الأمر بالمغرب.
فبدلاً من الالتزام بالمعايير المهنية التي يفترض أن تحكم عمل وكالة أنباء رسمية تمول من المال العام وتفترض فيها الموضوعية والحياد، تواصل "واج" توظيف الأخبار والأحداث في إطار معارك دعائية وسياسية تستهدف المملكة، حتى وإن كان الثمن تعريض ما تنشره لموجات واسعة من التشكيك والسخرية، أو كشفها مرة أخرى أمام الرأي العام باعتبارها طرفاً في صناعة الرواية السياسية أكثر من كونها ناقلاً أميناً للخبر.
الشاهد على ما سلف ذكره، خبر كاذب جديد حاولت الوكالة الجزائرية من خلاله استثمار عملية أمنية نفذتها السلطات الإسبانية ضد شبكة دولية لتهريب المخدرات، حيث قدمت الواقعة للقارئ على أنها دليل جديد على ما وصفته باستمرار اعتماد السواحل المغربية كنقطة انطلاق لإغراق الأسواق الأوروبية بالمخدرات. غير أن القراءة المتأنية للبلاغات الرسمية الإسبانية والتقارير الإعلامية التي تناولت العملية تكشف أن الوكالة الجزائرية تعمدت التركيز على زاوية واحدة تخدم خطاباً سياسياً جاهزاً، بينما تجاهلت معطيات أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تشكل جوهر القضية نفسها.
فالقضية في الأصل تتعلق بشبكة إجرامية منظمة تنشط عبر عدة مناطق ومسارات بحرية وتضم عدداً كبيراً من المتورطين، وهي جزء من ظاهرة عالمية معقدة تعرفها مختلف القارات والدول المطلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. ومع ذلك اختارت الوكالة الجزائرية اختزال الملف برمته في المغرب، وكأن المملكة هي الفاعل في القضية وليست شبكات إجرامية عابرة للحدود تحاربها الدول بشكل يومي.
الأكثر من ذلك، أن الوكالة الجزائرية لم تجد حرجاً في تقديم الأمر بطريقة توحي بأن المغرب مصدر للمشكلة، متجاهلة حقيقة أن الأجهزة الأمنية المغربية تعد اليوم من أكثر الأجهزة الإقليمية انخراطاً في تفكيك شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات وملاحقة المتورطين فيها.
ويكفي التذكير بأن السنوات الأخيرة شهدت عشرات العمليات المشتركة بين المغرب وإسبانيا انتهت بحجز كميات ضخمة من المخدرات وتفكيك شبكات دولية واعتقال مطلوبين خطيرين، وهي عمليات لم تكن لتتحقق لولا مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي غير المسبوق بين الرباط ومدريد. بل إن العديد من المسؤولين الإسبان والأوروبيين لم يترددوا في أكثر من مناسبة في الإشادة بالدور الذي تلعبه الأجهزة المغربية في حماية الحدود الجنوبية لأوروبا والتصدي لشبكات التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
لكن هذه الحقائق تبدو مزعجة بالنسبة لوكالة الأنباء الجزائرية لأنها تفسد السردية التي تحاول الترويج لها. فكيف يمكن إقناع القارئ بأن المغرب يمثل مشكلة أمنية بالنسبة لأوروبا في الوقت الذي تعتبره فيه المؤسسات الأمنية الأوروبية شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه؟ وكيف يمكن تصوير المملكة على أنها مصدر للتهديد بينما تعتمد عليها دول أوروبية بشكل متزايد في تبادل المعلومات الأمنية وملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود؟ هذه الأسئلة لا تجد لها مكاناً في تغطية الوكالة الجزائرية لأنها ببساطة لا تخدم الرسالة السياسية المطلوب تمريرها.
وما يثير الانتباه أكثر أن الوكالة الجزائرية لم تتوقف عند المفارقة الكبرى المتمثلة في أن نجاح العملية الإسبانية نفسها هو دليل على فعالية التعاون الأمني في مواجهة شبكات التهريب، لا على فشل دولة بعينها. فحين تتمكن الأجهزة المختصة من تفكيك منظمة إجرامية واعتقال العشرات من أفرادها وحجز أطنان من المخدرات، فإن الرسالة الطبيعية التي يفترض استخلاصها هي أن مؤسسات إنفاذ القانون تقوم بعملها وتحقق نتائج ملموسة، وليس البحث عن فرصة لتوجيه اتهامات سياسية أو صناعة عناوين تخدم أجندات خارج السياق الأمني.
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة عن نمط متكرر في تعاطي وكالة الأنباء الجزائرية مع كل ما يتعلق بالمغرب. فمنذ سنوات أصبحت الوكالة مادة شبه دائمة للتدقيق والتصحيح بسبب نشر أخبار أو مزاعم سرعان ما تتهاوى أمام التحقق البسيط من المصادر الأصلية. وفي كل مرة يتكرر المشهد نفسه: عنوان مثير، اتهامات مباشرة أو مبطنة للمغرب، ثم اكتشاف لاحق بأن الوقائع أكثر تعقيداً بكثير مما تم تقديمه للقارئ.
ومن هنا فإن جوهر القضية لا يكمن في عملية حجز مخدرات جرت في إسبانيا، فمثل هذه العمليات تقع بشكل دوري في مختلف أنحاء العالم، بل في الطريقة التي جرى بها توظيف الخبر وتحويله إلى أداة دعائية. فوكالة الأنباء الرسمية لأي دولة يفترض أن تكون مرجعاً للمعلومة الدقيقة لا منصة لإعادة تشكيل الوقائع بما يخدم مواقف سياسية مسبقة. وعندما يصبح الهدف هو البحث عن أي حدث يمكن استخدامه ضد المغرب مهما كانت طبيعته، فإن النتيجة تكون فقدان التوازن المهني وتقديم روايات مبتورة لا تصمد طويلاً أمام الحقائق.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه هذه الواقعة ليس شيئاً جديداً بقدر ما يؤكد مرة أخرى أن بعض الجهات الرسمية في الجزائر ما تزال تنظر إلى المغرب من زاوية الخصومة السياسية قبل أي شيء آخر. لذلك يصبح الخبر الأمني خبراً سياسياً، وتتحول عملية مكافحة الجريمة إلى فرصة لتصفية الحسابات، ويتم تقديم نصف الحقيقة على أنه الحقيقة كاملة. غير أن المشكلة في هذا الأسلوب أنه قد يحقق أثراً دعائياً مؤقتاً، لكنه سرعان ما يرتد على أصحابه عندما يكتشف المتلقي أن ما أخفي من الوقائع أهم بكثير مما تم إبرازه في العنوان.
