محمد ناجي
نتمنى أن تصبح هذه المناسبة، التي تحمل في ذاتها اسم الثورة؛ ثورة الملك والشعب؛ مناسبة للثورة على التخلف والفساد في كل الميادين ؛ بحيث تصبح لدى رئيس الدولة محطة لمصارحة الذات، أو النقد الذاتي ، إن شئتم ـ فيقف مع الشعب على العيوب والنقائص التي تشوب هذا القطاع أو ذاك، ويلزم الحكومة بأن تعمل على تدارك أوضاعه والانتقال به من المستوى الذي يكون عليه ، إلى المستوى الذي نتوق إليه، مع تحديد سقف زمني، وإعطاء كل السند للتصدي لكل متصد لعملية الإصلاح وردعه، أو إزاحته من الطريق..
لقد سمعنا في مناسبات سابقة خطابا كان فيه شيء من تعبير صريح عن حاجة القضاء إلى الإصلاح.. وقد مرت أكثر من سنتين؛ ولم يراوح القضاء مكانه، رغم المحاولات الكثيرة والمستميتة للسيد وزير العدل.. والسبب لا يجهله أحد، ومجمله يكمن في التراخي في التنفيذ، وعدم الحرص على الضرب على يد كل من يجر عربة المغرب إلى الوراء، مع ما يمكن أن نطلق عليه بفتور في الرغبة السياسية الحقيقية في الإصلاح، بحيث كان من المفترض أن يكون الخطاب الموجه إلى المستفيدين من الفساد بلهجة أكثر صرامة، وأن يُـنـظَـر إليهم بعيون أكثر احمرارا وأبين عزما على التنفيذ.. أما الاكتفاء بالوصف، وإتباعه بالمتمنيات .. فالنتيجة تكون معروفة من البداية: أن المستفيدين من الفساد، أو من الأوضاع الراهنة، سيعملون على عرقلة الإصلاح بكل الوسائل والحيل؛ فتراهم يتكتلون، ويستصعبون كل عمل يسند إليهم، ويتهاونون أكثر في مهامهم، ويتمادون في تعاطي الرشوة بأكثر مما كان عليه الحال من قبل، ويبالغون في تبادل المنافع الذاتية على حساب مصالح المواطنين وحقوقهم.. وكل ذلك لـيُـظِـهروا للناس أن العهد الأسبق كان خيرا من الزمن الحاضر..
إن التعليم قد مر بعشرات التجارب الفاشلة، تجارب كان معظمها لا يكتمل حيث تتوقف بمجرد مغادرة الوزير لوزارته، وكانت مغادرة الوزراء لوزاراتهم كتغيير صاحب الفيلا لبستانـيّـه.. حيث يجد البستاني نفسه ذات صباح حاملا معوله وفأسه على كتفه يطرق أبواب فيلات أخرى.. باحثا عن عمل. ثم يأتي وزير جديد ليبدأ من جديد ببرنامج جديد وتجارب جديدة على أطفالنا؛ ثم لا يلبث أن يغادر كسلفه.. وهكذا دواليك
وللتاريخ، وبدون مواربة ولا خلفية؛ فقد كان أول من شرع في إفساد التعليم في بلادنا هو الوزير عز الدين العراقي، الذي حول ميدان التعليم إلى حقل للتجارب، وحول أبناء هذا الشعب من الفقراء المستضعفين الذين يدرسون في المدارس العمومية إلى فئران مختبرات.. ؛ ولا عذر له، فالوطن لن يغفر له؛ حتى ولو كان مجرد منفذ للتعليمات .. ؛ لأنه لو كانت لديه غيرة حقيقية على مصلحة الوطن؛ لما سمح لنفسه بالقيام بذلك التطبيق المنكر لتلك السياسة الجاحدة الهادفة إلى تدجين الأجيال الصاعدة، وتشتيت تكوينهم وعقولهم.. حتى أصبح المغرب يحتل المراتب الأخيرة في مجال التربية والتعليم متخلفا عن أفقر الدول وأقلها إمكانيات وطاقات بشرية، بل أصبح متخلفا عن عشرات الدول كان خيرا منها إمكانيات وقدرات على مواصلة التقدم والرقي ليلتحق بمصاف الدول الأكثر تقدما في العالم ككوريا، وإسبانيا التي كانت عملتنا (الفرنك المغربي) في الستينات أقوى من بسيطتها، واقتصادنا خيرا من اقتصادها.. وجامعاتنا حسن من جامعاتها.. حتى البنغلاديش التي كانت آخر دولة في العالم، أصبحت خيرا منا في مجالات كثيرة..
إننا قد ننظر إلى أن خطاب 20 غشت لهذه السنة، بمثابة ثورة حقيقية على ما يعانيه قطاع التعليم ببلادنا من تقهقر وتخلف، ونننظر أن يكون مشفوعا برغبة سياسية صادقة حقيقية في الإصلاح، ونتمنى أن تتظافر الجهود للنهوض بهذا الركن الأساسي من أركان التقدم والازدهار، لأن التعليم بين مقومات تقدم الدول هو بمثابة الصلاة بين أركان الإسلام، ركن إذا انهار، انهارت له كل الأركان الأخرى. كما على الجميع أن يدرك أن يدا واحدة لا تصفق؛ فقد رأينا المجهود الحقيقي والنية الصادقة للسيد الوفا ، الوزير الحالي للتعليم، في إصلاح التعليم، وتخليصه من كثير من شوائبه، وتطهيره من الفاسدين والمفسدين والغشاشين.. ولكن ما كان يوضع أمامه من عراقيل، كان أقوى من أن يسهل عليه مهمته، ويسير بها إلى النهاية.. ومع ذلك فقد ظل مستمرا في السير.
الآن هاهو الخطاب الملكي جاء حاسما وصريحا بكل ما في الكلمة من معنى.. وها هو الملك يعين الأستاذ عمر عزيمان على رأس المجلس الأعلى للتعليم.. فهل سيشمر كل عن ساعده ليساهم بكل ما في وسعه لإنقاذ مركب التعليم من الغرق؟
إن من أوجب الواجبات اليوم أن تسكت تلك اللوبيات المستفيدة من الأوضاع الراهنة إلى حين؛ وإن لم تسكت فالواجب إسكاتها بكل الطرق المشروعة؛ لأننا نعرف أن أكثر الناس رغبة في الإبقاء على الوضع على ما هو عليه، هم المستفيدون منه.. وعندما ننظر إلى المستفيدين من الأوضاع الحالية في التعليم، سنجدهم هم أصحاب المشاريع الاستثمارية في التعليم الخصوصي.. وهي ـ كما يعلم الجميع ـ مشاريع كلها أرباح خيالية مفرطة بدون أدنى مصاريف على مستوى تكوين الأطر التربوية أو الإدارية أو غيرها.. فهي تستفيد فقط من الأطر التي سهرت الدولة على تكوينها، وصرفت عليها الملايين من ميزانية الدولة، ثم يأتي أصحاب المدارس الخصوصية، ويلحقون أولئك الأساتذة أو المعلمين بمؤسساتهم، بما يعرف بالساعات الإضافية، فترى الأستاذ يفرغ من الجهد والطاقة والاهتمام بتلاميذ تلك المؤسسات الخصوصية ـ أو بتلاميذ الساعات الإضافة الليلية ـ ما لا يفرغ خُـمُـسه أو عُـشـره في مؤسسته الرسمية التي يتقاضى راتبه من أجل خدمته فيها. وهكذا أصبح التعليم " تــجـارة " ؛ تجارة بكل ما في الكلمة من معنى: أصحاب رؤوس الأموال يتاجرون فيه، أصحاب المدارس الخصوصية يتاجرون فيه، كثير من الأساتذة يتاجرون فيه.. وأبناء الشعب الفقراء هم الضحايا.. ومستقبل هذا البلد هو المهدد بالبوار.
أما بالنسبة للبرامج، فهذه طامة أخرى: فمعظمها عبارة عن حشو للمعلومات لا تصلح إلا للحفظ والاستظهار ساعة الامتحان، حتى بدون فهم. وهنا سأقول بكل صراحة: ماذا يفيد تلاميذ الابتدائي أن نحشر أدمغتهم بأحاديث لا يعقلونها، ومعان لا بفقهونها؛ بل هي فوق حدود طاقتهم الفكرية والخيالية؛ أحاديث وموضوعات تسبب لهم من الاضطراب الفكري والنفسي أكثر مما تحفزهم على إعمال الذهن وتشغيله فيما ينمي مواهبهم ويزكي طاقاتهم. هل ينتفع التلاميذ دون سن الرشد بما نحشر به أدمغتهم من أحاديث عن الجنة والنار وعذاب يوم القيامة وما إلى ذلك.. أليس في هذا جناية على عقول بريئة، نفعل بها ذلك لغاية واحدة نريدها لأنفسنا: أن ننمط تلك العقول البريئة البيضاء على النموذج الذي نريده نحن لهم، دون أن ننتبه إلى أن ذلك التنميط قد يأني بنتائج معاكسة لما كنا نتوقعه؛ وذلك عندما يشب الطفل ويصبح قادرا على التمييز ، فيكون تمرده على ما لـقِّـنه في صغره أكثر شراسة من تمرد غيره ممن تُـرِك في صغره على عفويته ليختار بعد قدرته على التمييز ما يروقه، ولو اختيارا إلى حين.. وليس ذلك الاختيار الأبدي الذي لا يسمح للمرء حتى بمجرد التفكير في مدى سلامته وحقيقته ؛ فأحرى أن يفكر في تغييره؛ أو التعبير عن عدم اقتناعه بجدواه؛ وإن ما نشاهده في مختلف المواقع الإلكترونية، وما نقرأه في كثير من تعليقات القراء على بعض ما يكتب؛ ليؤكد هذه الحقيقة ، وينذر بأن الأسلم هو أن نترك الأطفال على سجيتهم حتى يصلوا إلى السن الذي يمكنهم فيه فهم ما يقال لهم عن عالم ما بعد الموت، ويمكنهم أن يصلوا إلى حقيقة الأمور عن روية واقتناع، وليس مجرد تقليد واتباع. .
وما قلناه عن هذا، يقال أيضا على كثير من دروس التاريخ القديم، وبعض المواد الأخرى التي نتمنى من الذين سيتولون مسؤولية إصلاح التعليم حالا ومستقبلا، أن ينظروا فيها بعين العصر، لا بعين الماضي، وأن يعدلوا في طرق تدريسها بما يجعلها أكثر نجاعة وأقصر طريقا للوصول إلى الهدف المتوخى منها، وبما يجعلها أيضا أكثر رسوخا في أذهان متلقيها، حتى لا تبقى الغاية منها مجرد اجتياز الامتحان بتفوق.. ثم تهمل ، فتنسى.
أخيرا ، نرجو لثورة هذه السنة كل التوفيق .. وأن تكون بداية الإصلاح الحقيقي الصارم، المنذر للقطاعات الأخرى، بأنه إذا لم يفتحوا ورش الإصلاح تلقائيا، فإن شرر العيون الحمراء سوف تتجه صوبهم بكل حرارتها وشدتها؛ وبكل صرامتها وهو الأهم.
