أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
أثار مشهد عابر من مسلسل "عش الطمع"، الذي تبثه القناة الأولى خلال شهر رمضان، موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما لاحظ متابعون أن الوثيقة التي ظهرت في أحد المشاهد على أنها وثيقة طلاق لم تكن سوى مراسلة إدارية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية وموجهة إلى الولاة والعمال.
الخطأ الذي التقطه المشاهدون في ثوانٍ قليلة سرعان ما تحوّل إلى مادة واسعة للسخرية والنقاش، بل وفتح في المقابل تساؤلات محرجة حول الكيفية التي تمكنت بها هذه اللقطة من المرور عبر كل مراحل الإنتاج والمراجعة داخل التلفزة العمومية قبل أن تصل إلى الشاشة.

المفارقة الأكثر إحراجاً في هذه الواقعة أن من كشف الخطأ لم تكن لجان المراقبة داخل القناة ولا فرق الإنتاج التي يفترض أنها راجعت العمل قبل بثه، بل المشاهد المغربي نفسه. فقد انتبه كثيرون بسهولة إلى طبيعة الوثيقة، ليتحول المشهد سريعاً إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما ذهب بعض المعلقين إلى حد وصف ما حدث بأنه استخفاف بذكاء المشاهد.
لكن السؤال الحقيقي لا يقف عند حدود الخطأ نفسه، بل يتجاوز ذلك إلى الطريق الذي سلكته تلك اللقطة قبل أن تصل إلى الشاشة. فالمشهد مرّ أولاً عبر مرحلة التصوير، حيث كان يفترض بفريق العمل أن ينتبه إلى طبيعة الوثيقة التي تظهر في اللقطة. ثم انتقل إلى مرحلة التوضيب والمونتاج حيث تُراجع المشاهد عادة بدقة قبل تثبيتها في النسخة النهائية. وبعد ذلك، يفترض أن تخضع الحلقة لعملية مراقبة داخلية قبل المصادقة على بثها على شاشة القناة.
ومع ذلك، مرّت مراسلة رسمية صادرة عن وزارة سيادية عبر كل هذه المراحل دون أن يطرح أحد سؤالاً بسيطاً: ما الذي يظهر فعلاً في الصورة؟
إذا كان المشاهد العادي قد اكتشف الخطأ في لحظات وهو يتابع المسلسل من منزله، فكيف عجزت منظومة كاملة من التقنيين والمشرفين والمراقبين داخل مؤسسة إعلامية عمومية عن ملاحظته قبل البث؟
في الدراما التلفزيونية، إعداد وثيقة وهمية مسألة في غاية البساطة. يمكن لأي فريق عمل أن يبتكر وثيقة تخدم المشهد دون أن تحمل أي دلالة حقيقية أو تمس بأي مؤسسة. لكن ما حدث في هذه الحالة يوحي بأن الاستسهال حلّ مكان المهنية، وأن وثيقة إدارية حقيقية تحولت إلى مجرد إكسسوار داخل مشهد درامي.
والأخطر من ذلك أن الواقعة تفتح سؤالاً أكبر: إذا كان من الممكن أن تمر مراسلة رسمية لوزارة الداخلية بهذه السهولة، فماذا كان يمكن أن يمر أيضاً؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بالخطأ الذي وقع، بل بما يكشفه عن مستوى التدقيق داخل منظومة الإنتاج التلفزيوني العمومي. فالتلفزيون العمومي ليس مجرد قناة ترفيهية، بل مؤسسة تمثل صورة الدولة أمام مواطنيها، ويُفترض أن تخضع أعمالها لمستوى عالٍ من المراجعة المهنية قبل البث.
عموما، ما حدث في مسلسل "عش الطمع" لا يمكن اختزاله في هفوة تقنية عابرة، لأن المسؤولية هنا تبدو موزعة على سلسلة كاملة من المراحل: من فريق الإنتاج الذي سمح بتصوير الوثيقة، إلى مرحلة المونتاج والتوضيب، وصولاً إلى الجهات التي صادقت على بث الحلقة دون الانتباه إلى ما يظهر فيها. وفي النهاية، بينما تحوّل المشهد إلى مادة للسخرية والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى السؤال الأكثر جدية معلقاً: كيف يمكن لمؤسسة إعلامية عمومية أن تستعيد ثقة جمهورها إذا كانت مثل هذه الأخطاء تمر عبر كل مراحل الإنتاج دون أن يلاحظها أحد؟ لأن ما كشفه مشهد واحد في مسلسل رمضاني لم يكن مجرد خطأ في وثيقة، بل خللاً في منظومة يفترض أنها أول من يحرس المهنية داخل الإعلام العمومي.
