بقلم ضرار هفتي
في تطوان، لا يعود ميغيل دي ثيربانتس مجرد اسم عابر في تاريخ الأدب الإسباني، بل يتحول إلى علامة ثقافية تتسرب بهدوء إلى نسيج المدينة، كما تتسرب الذاكرة في الحجر حين يطول الزمن، هناك، حيث تتكئ الأسوار على البحر، وتتشابك الأزقة كأنها خيوط سرد لم يكتمل بعد، تستعيد المدينة علاقتها العميقة بالمخيال السيرفانتي، لا بوصفه أثرا أدبيا، بل باعتباره طبقة من طبقات الذاكرة المتوسطية المشتركة.
في هذا الأفق، يبرز مشروع "الطريق السيرفانتية" باعتباره مبادرة ثقافية وأكاديمية قادها الدكتور عبد الرحمان الفاتحي، الهسبانيست والشاعر، الذي نقل العلاقة بين تطوان وثيربانتس من مستوى التوظيف الرمزي إلى مستوى السؤال المعرفي، ولم ينطلق هذا المشروع من منطق العرض السياحي، بل من عمق البحث الجامعي، حيث تتقاطع القراءة الأدبية مع التأويل التاريخي، وتغدو النصوص مفاتيح لفهم المكان، كما يغدو المكان نفسه نصا قابلا للقراءة.
في هذا التصور، لا تختزل تطوان في معالمها، بل تستعاد ككائن سردي حي، تتجاور فيه الأزمنة كما تتجاور الأزقة، فهي مدينة حملت أثر الأندلسيين بعد سقوطها، واحتضنت امتدادهم الثقافي والعمراني والروحي، لتغدو أحد أبرز فضاءات الاستمرارية الأندلسية في الضفة الجنوبية للمتوسط، ومن هنا تتشكل خلفية كثيفة لقراءة حضورها في المخيال السيرفانتي، حيث لا تظهر كاسم هامشي، بل كفضاء دلالي تتقاطع فيه ثيمات الأسر، والعبور، والحدود البحرية بوصفها عتبات بين عالمين.
وتتعمق هذه الصورة حين ننظر إلى تطوان باعتبارها مدينة تشكلت على طبقات متراكمة من التاريخ، كل طبقة منها لم تلغ ما قبلها، بل أعادت تشكيله، فالمعمار الأندلسي، والحضور العثماني غير المباشر، والانفتاح على المتوسط، كلها عناصر جعلت من المدينة أرشيفا حيا لا يقرأ فقط بالعين، بل بالذاكرة أيضا، وهذا ما يمنح استدعاء ثيربانتس فيها بعدا يتجاوز الأدب إلى الجغرافيا الثقافية.
وعليه، فإن استدعاء ثيربانتس في تطوان لا يقوم على منطق الاحتفاء الرمزي، بل على منطق الاستعادة الثقافية، حيث يعاد وصل النص بالمكان، ويقرأ الأدب باعتباره امتدادا للتاريخ لا انفصالا عنه، وتغدو المدينة، في هذا السياق، صفحة كبرى تكتب عليها آثار الأزمنة، وتقرأ فيها العلامات كما تقرأ طبقات نص متعدد المستويات، تتداخل فيه الحكاية الفردية مع الذاكرة الجماعية.
وفي هذا السياق، تكتسب تطوان اليوم بعدا إضافيا بوصفها عاصمة الثقافة والحوار في المتوسط 2026، وهو موقع رمزي يعيد إدراجها داخل الجغرافيا الثقافية للبحر الأبيض المتوسط، باعتبارها مدينة وسيطة بين الضفتين، وحاملة لذاكرة طويلة من التبادل والتداخل الحضاري، وهذا الاعتراف لا يضيف بعدا احتفاليا فحسب، بل يعيد تعريف المدينة كفضاء لإنتاج المعنى الثقافي، لا كمجرد حامل له، بل كمشارك في صياغته.
كما أن هذا التحول الرمزي يعيد فتح سؤال المدينة المتوسطية نفسها، هل هي مجرد مجال جغرافي، أم أنها بنية ثقافية عابرة للحدود، تتشكل من التفاعل المستمر بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب، بين الذاكرة الاستعمارية والذاكرة المشتركة، في هذا السياق تصبح تطوان نموذجا دالا على إمكانية تحويل التاريخ المتنازع عليه إلى ذاكرة قابلة للتفاوض الثقافي.
ومن هذا المنظور، يغدو مشروع "الطريق السيرفانتية" أكثر من مسار داخل المدينة، إنه إعادة تشكيل لطريقة النظر إلى تطوان نفسها، فالأزقة ليست مجرد ممرات، بل طبقات زمنية متراكمة، والأسوار ليست حدودا، بل آثار عبور التاريخ، والمدينة كلها تتحول إلى نص مفتوح على التأويل، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وتلتقي فيه الحكاية المحلية مع السرد المتوسطي الواسع.
وفي خلفية هذا المشروع، يظل عمل الدكتور عبد الرحمان الفاتحي حاضرا بوصفه جهدا يتجاوز التوثيق إلى إعادة بناء العلاقة بين الأدب والمكان، فقراءته لثيربانتس ليست قراءة نصية محضة، بل إنصات لما بين السطور، للمغرب في المخيال الإسباني، ولتطوان في الذاكرة الأدبية الأوروبية، وللمتوسط بوصفه فضاء للتماس والتفاعل لا للانقسام، بل بوصفه مجالا لتوليد المعنى المشترك.
كما أن هذا النوع من المشاريع يفتح أفقا جديدا أمام البحث الأكاديمي في المغرب، حيث لا يعود النص الأدبي منفصلا عن المجال، بل يصبح جزءا من قراءة جيوثقافية أوسع، تعيد ربط الأدب بالتاريخ، والذاكرة بالمكان، والمعنى بالهوية، وهنا تتضح أهمية المقاربات البينية التي تجمع بين الأدب والتاريخ والأنثروبولوجيا في فهم المدن المتوسطية.
هكذا، لا تستعيد تطوان ثيربانتس فقط، بل تستعيد عبره قدرتها على أن تكون مدينة تقرأ كما تكتب، وتفهم كما ترى، وتستعاد كما تؤول، مدينة لا تكتفي بأن تكون على الخريطة، بل تصر على أن تكون في النص، وفي الذاكرة، وفي المعنى، وفي السؤال المفتوح حول ما يعنيه أن نكون داخل المتوسط، لا على هامشه.
