أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
لم يكن أمين ناسور بحاجة إلى شهادة من أحد حتى يعرفه المغاربة والعرب عموما كأحد أبرز المخرجين الذين أعادوا للمسرح المغربي وهجه المفقود بعد سنوات طويلة من الركود، لكن يبدو أن النجاح في هذا البلد لا يمنح صاحبه فقط التقدير، بل يجلب له أيضا نصيبا وافرا من الاستهداف والتشكيك. هكذا وجد الرجل نفسه فجأة في قلب عاصفة سياسية أثارتها تصريحات النائب البرلماني "عبد الصمد حيكر"، عن حزب العدالة والتنمية، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، في مشهد اعتبره كثيرون أقرب إلى حملة انتخابية مبكرة منه إلى نقاش موضوعي حول الثقافة أو السينما.
ردود الفعل التي أعقبت تلك التصريحات لم تأت فقط من زملاء ناسور أو أصدقائه، بل من طيف واسع من الفاعلين في المجال الفني والثقافي الذين رأوا أن الرجل تعرض لظلم كبير بسبب خلط واضح بين الحقائق القانونية والمواقف السياسية. فعدد من المهنيين ذكّروا بأن ما يسمى بـ"الدعم السينمائي" ليس في الأصل دعما مجانيا كما يحاول البعض تصويره للرأي العام، بل هو نظام قانوني قائم على "التسبيق على المداخيل" تؤطره نصوص ومساطر محددة ويخضع لقرارات لجان مستقلة تضم ممثلين عن مختلف المهن السينمائية، وهو ما يجعل اختزال العملية في شخص واحد أو تقديمها وكأنها امتياز شخصي أمرا بعيدا عن حقيقة ما يجري داخل القطاع.
ولعل أكثر ما أثار استغراب المتابعين هو أن سهام الانتقاد وجهت نحو رجل لم يعرف عنه يوما أنه راكم الثروات أو استغل مواقع النفوذ أو ارتبط بأي ملف يسيء إلى المصلحة العامة، بل ارتبط اسمه، على العكس من ذلك، بمشاريع فنية وثقافية حملت العلم المغربي إلى أكبر المحافل العربية والدولية. فالرجل الذي يقود اليوم لجنة دعم الإنتاجات السينمائية هو نفسه الذي قاد واحدة من أهم الثورات الهادئة داخل المسرح المغربي خلال العقد الأخير، بعدما استطاع أن يبعث الحياة في الخشبة المغربية ويعيدها إلى منصات التتويج العربية بعد سنوات من الغياب.
لم يكن تتويج أحد أعماله في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ولا فوزه بأرفع الجوائز العربية في بغداد والشارقة وغيرها مجرد نجاح شخصي، بل كان اعترافا عربيا بأن المسرح المغربي عاد من جديد ليتحدث بلغة الكبار. لذلك يرى كثير من النقاد أن أمين ناسور لا يمثل مجرد اسم داخل سجل المخرجين المغاربة، بل يمثل مدرسة كاملة في الإخراج والتأطير والتكوين وإعادة الاعتبار للفعل الثقافي كرافعة للتنمية والوعي.
وسط هذه الزوبعة خرج عدد من الفنانين عن صمتهم معبرين عن تضامنهم المطلق معه، مؤكدين أن الرجل عرف طوال مساره بالجدية والانضباط المهني والغيرة على صورة الفن المغربي. واعتبر بعضهم أن الإساءة إلى أمين ناسور لا تمس شخصه فقط، بل تمس جيلا كاملا من الفنانين الذين أفنوا أعمارهم في الدفاع عن الثقافة المغربية في ظروف صعبة، فيما ذهب آخرون إلى التأكيد أن كل من اشتغل معه يعرف حجم التضحيات التي قدمها من أجل النهوض بالمسرح وتكوين الأجيال الجديدة من الممثلين والتقنيين.
ولم تخل ردود الفعل من لغة أكثر حدة، حيث اعتبر فنانون ومهنيون أن استهداف ناسور يندرج ضمن منطق قديم يقوم على مهاجمة كل شخصية ناجحة ومؤثرة. فالرجل، حسب تعبير أحد المقربين منه، لم يحرر أسعار المحروقات ولم يثقل كاهل المواطنين بالضرائب ولم يكن يوما طرفا في القرارات التي أرهقت الأسر المغربية، بل كرس حياته لخدمة المسرح والثقافة، وساهم في تشغيل مئات الفنانين والتقنيين والعاملين في مختلف جهات المملكة، كما ظل حاضرا في المبادرات الثقافية والوطنية التي ترفع صورة المغرب داخل الوطن وخارجه.
ويرى متابعون أن جوهر القضية يتجاوز شخص أمين ناسور نفسه، ليلامس سؤالا أكبر يتعلق بنظرة بعض الفاعلين السياسيين إلى الثقافة والفنون. فحين يتحول مخرج مسرحي إلى هدف لحملة سياسية بسبب موقع مهني مؤقت، وحين تصبح الإنجازات الفنية محل تشكيك بدل أن تكون مصدر فخر وطني، فإن الأمر لا يتعلق بنقاش حول لجنة أو دعم أو تسبيق على المداخيل، بل يتعلق بصراع أعمق بين من يؤمن بأن الثقافة استثمار في الإنسان وصورة الوطن، ومن لا يزال ينظر إليها بعين الريبة والاتهام.
وربما تختزل عبارة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ما يحدث اليوم أكثر من أي شيء آخر عندما قال إن "القمم تتلقى من الرياح ما لا تتلقاه السفوح"، فالشخصيات التي تترك أثرا حقيقيا هي غالبا الأكثر عرضة للهجوم. أما أمين ناسور، الذي راكم على مدى سنوات احتراما واسعا داخل الأوساط الفنية والثقافية، فيبدو أنه يدفع اليوم ضريبة نجاحه وتأثيره أكثر مما يدفع ثمن أي خطأ ارتكبه.
وفي انتظار أن تظهر المشاريع السينمائية التي صادقت عليها اللجنة إلى الوجود ويحكم عليها الجمهور والنقاد بأعينهم، يبقى سؤال واحد مطروحا بإلحاح: هل كان الهدف فعلا هو مناقشة سياسة ثقافية عمومية، أم أن أمين ناسور وجد نفسه، بقصد أو بغير قصد، وقودا لمعركة سياسية وانتخابية اختارت أن تمر هذه المرة عبر بوابة الفن؟
