الجدل ينطلق مجددا حول رواتب رؤساء المقاولات العمومية ببلجيكا
طفت على واجهة النقاش السياسي في بلجيكا مؤخرا ملفات ظلت معلقة منذ أسابيع، لتذكر الفريق الحكومي بأن الدخول السياسي الوشيك لن يكون هادئا.وفي مقدمة الملفات التي ينتظر أن تكون محط جدل واسع ، ملف رواتب رؤساء المقاولات العمومية خصوصا وأن الحكومة تعتزم تقليص رواتب أبرز هؤلاء ويجري الحديث عن تحديد سقف لمداخيل المعنيين في حدود 290 ألف أورو سنويا وهو المبلغ الذي يعادل راتب الوزير الأول إليو دي روبو.
وقد تجدد الجدل حول الموضوع بالخصوص بعد أن هدد مدير البريد جوني تيجس، الذي يعد أحد رؤساء المقاولات العمومية الأكثر شهرة في بلجيكا، بالاستقالة من موقعه في حال أقدمت الحكومة على هذه الخطوة. فقد قال الأسبوع الماضي " لن أبقى في منصبي من أجل 290 ألف أورو في السنة فقط". ومع أن رئيس مؤسسة البريد البلجيكية عبر عن استعداده لتقديم تنازلات إلا أنه يرفض بشكل قاطع تقليص راتبه من 1,1 مليون حاليا إلى 290 ألف أورو.
وبالنسبة لجوني تيجس، كما هو شأن عدد آخر من رؤساء المقاولات العمومية الكبرى في بلجيكا ، فإن "السياسيين مطالبين بالعثور على مسيرين للمقاولات العمومية، جيدين وأذكياء ومستعدين لرفع تحديات مهمة جدا " وبالتالي يتعين منحهم " رواتب منصفة" .
وقبل الخروج الإعلامي لتيجس، كان رئيس مؤسسة عمومية بارزة أخرى ، هو ديديي بيلينس رئيس "بيلغاكوم" الفاعل الرئيسي في مجال الاتصالات ببلجيكا، قد أعرب بوضوح عن استيائه من الخطوة المرتقبة للحكومة . ويبدو من الصعب إقناعه بخفض راتبه من 2,5 مليون أورو إلى 290 ألف أورو فقط ، لا سيما، كما يقول عدد من المعنيين ، أن بعض زملائه في القطاع الخاص يتقاضون رواتب تقدر بضعفين أو ثلاثة أضعاف ما يمنح لرؤساء المقاولات العمومية.
وعلى النقيض تماما فإن استمرارا الرواتب الحالية لمسيري المقاولات العمومية أمر غير مقبول وغير مستساغ بالنسبة للسياسيين . فقد تساءل النائب الفدرالي عن الحزب الاشتراكي ديرك فان دير مايلن ، الذي كان من السياسيين الأوائل الذين خاضوا هذا الجدل ، عما إذا كان تسيير البريد "أكثر صعوبة من إدارة البلاد¿" في إشارة إلى راتب الوزير الأول الذي يتعين، وفقه ، أن يكون "سقفا أخلاقيا " في ما يتعلق بأجور مسيري المقاولات العمومية.
ولم يتوان وزير المقاولات العمومية جان باسكال لابي في أن يدلي بدلوه في هذا الجدل حيث انتقد تصريحات رئيس مؤسسة البريد وقال " من الطبيعي أن تثير هذه الرواتب المبالغ فيها مشاعر الناس وبالتالي يتعين تخفيضها " . وكان من الطبيعي أن ينضم النقابيون إلى صف المعارضين لاستمرار الرواتب الحالية لمسيري المقاولات ، فقد كان رودي دولو رئيس النقابة الاشتراكية حاسما بهذا الخصوص حين قال " يجب أن لا يتقاضى مسيرو المقاولات العمومية البارزون سنتيما واحدا زيادة على 290 ألف أورو".
ويرى المراقبون المستقلون والمعلقون في الصحف البلجيكية أن الموضوع يشكل "ملفا ملغوما " تم إرساله عبر البريد المضمون للحكومة التي يحق لها أن تقلق بشأنه. ومع أن بعض المتابعين لا يتبنون بشكل تام موقف رؤساء المقاولات العمومية إلا أنهم يعتبرون في المقابل أنه لا يجب الاستخفاف بالمنطق الذي يدفع به هؤلاء في هذا الجدل، فقانون السوق لا يمس رئيس المقاولة بمفرده ولكن أيضا باقي أطرها. وفي حالة مؤسسة البريد ، على سبيل المثال، فإن حوالي ثلاثين من الأطر البارزة فيها يحصلون على رواتب تفوق راتب الوزير الأول ، لكنها تظل في الوقت نفسها في مستوى تلك التي تمنح لنظرائهم في سوق الشغل. وعلى غرار كل الملفات التي تكتسي طابعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في الآن ذاته، فإنه يتعين الحسم في اتجاه معين وهي مهمة ملقاة على كاهل السياسيين. ففي الوقت الذي يدفع فيه رؤساء المقاولات العمومية والأطر العليا فيها بمنطق " السوق" فإن السياسي مطالب بالسهر على تحقيق عدالة اجتماعية وتدبير الضغوط.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.