من صناعة السيارات إلى الطائرات والدرونات.. كيف مهدت الرؤية الملكية لدخول المغرب نادي الصناعات الدفاعية؟
يقف المتابعون للشأن الإقليمي والدولي أمام حالة من الذهول والانبهار إزاء التحول الجذري الذي تشهده المملكة المغربية؛ ففي الوقت الذي راهنت فيه أنظمة الجوار لعقود على اقتصاد الريع وعائدات المحروقات دون أن تُنتج برغياً واحداً، استطاع المغرب، تحت القيادة الاستراتيجية المتبصرة للملك محمد السادس، أن يقلب كافة المعادلات الجيوسياسية، ويبني قاعدة صناعية ودفاعية ثقيلة بمواصفات عالمية، دون الاعتماد على قطرة نفط أو متر مكعب من الغاز.
ويتجلى هذا النجاح الباهر في فعاليات معرض مراكش الدولي للطيران (Marrakech Air Show)، الذي تجاوز كونه مجرد منصة استعراضية ليتحول إلى قطب استراتيجي لعقد أضخم الصفقات واتفاقيات الشراكة مع عمالقة الصناعات الجوية والدفاعية في العالم (من قبيل بوينغ، وإيرباص، ولوكهيد مارتن، وسافران). ولم تكن هذه الثقة العالمية وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة عمل دؤوب وتخطيط سيادي محكم امتد لأكثر من عقدين لتأسيس ما يُعرف بـ"المنظومة الصناعية المتكاملة" (Écosystème Industriel).
لقد أدركت الدولة المغربية مبكراً أن السيادة الحقيقية تبدأ من توطين سلاسل القيمة المضافة؛ فبدل الاكتفاء باستيراد المواد وتركيبها، تم بناء شبكة وطنية لصناعة المواد الأولية والمكونات الدقيقة، بدءاً من الألياف، والصلب، والبلاستيك المقاوم، إلى أجهزة الأسلاك والموصلات، والإلكترونيات المعقدة، والبطاريات، وأجزاء المحركات فائقة الدقة. هذه الدينامية هي التي جعلت من شعار "صُنع في المغرب" علامة فارقة تدور في سماء العالم، حيث لا تكاد تحلق طائرة تجارية حديثة إلا وتضم أجزاء صُنعت بأيادٍ ومهندسين مغاربة.
هذه الأرضية الصناعية التراكمية، الممزوجة بنقل دقيق للخبرات عبر مراكز تميز وأقطاب تكنولوجية متقدمة، شكلت الجسر الطبيعي والصلب للانتقال نحو الصناعات العسكرية المتقدمة والأنظمة غير المأهولة (الدرونات الهجومية والاستطلاعية). إن كشف الستار عن مشاريع واعدة لتطوير وتصنيع أنظمة استراتيجية محلياً يُعد رسالة واضحة لكل من يشكك في القدرات الذاتية للأمة المغربية؛ فالقوة اليوم لا تُقاس بآبار النفط التي تُبدد في شراء ولاءات وهمية، بل برؤية ملكية تستثمر في الرأسمال البشري، وتصنع الردع التكنولوجي، وتكرس هيبة الدولة وسيادتها الكاملة على أرضها وسمائها.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.