بعد "الفراقشية".. إشكالية "النوار" تشعل غضب المواطنين وتضع الحكومة أمام اختبار صعب قبل مونديال المغرب

بعد "الفراقشية".. إشكالية "النوار" تشعل غضب المواطنين وتضع الحكومة أمام اختبار صعب قبل مونديال المغرب

منذ مدة ليست بالقصيرة، توالت شكاوى مواطنين من مشهد بات مألوفا في عدد من محطات الوقود والمحلات التجارية والأنشطة الخدماتية، حيث ما إن يشهر الزبون بطاقته البنكية لأداء مستحقاته حتى يأتيه الجواب الجاهز: "tpe ما خداماش"، مع الإصرار على تسلم المبلغ نقدا. ويحكي متضررون أنهم وجدوا أنفسهم في مواقف محرجة، خصوصا على الطرقات، حيث اضطروا إلى البحث عن شباك بنكي في مناطق لا يعرفونها، رغم توفر رصيد كاف في حساباتهم. وإذا كان تعطل أجهزة الأداء أمرا واردا، فإن تكرار هذه الذريعة يطرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة هذه الأعطاب، خاصة عندما يقترن رفض البطاقة بالامتناع عن تسليم الفاتورة.

ويرى منتقدو هذه الممارسات أن الأمر قد يتجاوز مجرد خلاف حول وسيلة الأداء، ليتحول إلى مدخل لتغذية اقتصاد "النوار"، عبر إبقاء معاملات تجارية خارج التوثيق الإلكتروني، بما يتيح لبعض المهنيين إخفاء جزء مهم من مداخيلهم والتملص من واجباتهم الضريبية. والنتيجة، وفق هذا الطرح، مزدوجة: خسائر محتملة لخزينة الدولة التي تضيع عليها موارد مالية مهمة، ومنافسة غير شريفة للتجار والمقاولات التي تحترم التزاماتها القانونية والجبائية. صحيح أن بعض المهنيين يشتكون من كلفة خدمات الأداء والعمولات البنكية، لكن معالجة هذه الإكراهات لا ينبغي أن تكون على حساب المستهلك أو أن تتحول إلى مبرر لإبعاد المعاملات عن الشفافية.

وأمام استمرار هذه الشكاوى، يبرز مطلب مراجعة الإطار القانوني الحالي، من خلال تدخل تشريعي واضح يحدد الأنشطة الملزمة بتوفير الأداء الإلكتروني، ويرتب غرامات على حالات الرفض غير المبرر، مع التمييز بين التحايل و الأعطاب التقنية الحقيقية. وفي هذا الصدد، يرى عدد من المهتمين أنه يتعين أن يتضمن أي إصلاح شقا تحفيزيا، عبر تخفيض تكاليف أجهزة الأداء والعمولات، وتسريع تحويل مستحقات التجار، وتوفير حلول رقمية ملائمة لمختلف الأنشطة، بالتوازي مع تشديد مراقبة الفواتير والتصريحات الضريبية، مشددين على أن المطلوب ليس التضييق على التجار، وإنما جعل الشفافية مصلحة مشتركة تحمي الزبون والتاجر والدولة.

وتضع هذه الإشكالية الحكومة الجديدة أمام اختبار إضافي، خاصة أنها رفعت شعار محاربة "الشناقة" و"الفراقشية" وكل المتاجرين بجيوب المغاربة. فمحاربة هذه الممارسات، وفق نشطاء، لا ينبغي أن تتوقف عند ضبط الأسعار في الأسواق، بل يفترض أن تمتد إلى كل السلوكيات التي تكرس اقتصاد الظل وتحرم خزينة الدولة من مواردها المشروعة. كما يشدد متابعين على أن توسيع الوعاء الضريبي ومحاصرة التهرب من شأنهما توفير موارد إضافية لتمويل الخدمات والاستثمارات العمومية، دون الحاجة إلى البحث باستمرار عن مصادر جديدة للاقتطاع من جيوب المواطنين.

وتزداد أهمية هذا الورش مع استعداد المغرب لاحتضان مونديال 2030، إذ لا يعقل أن يطمح البلد إلى استقطاب ملايين السياح، بينما يجد زائر أجنبي نفسه مضطرا للبحث عن السيولة النقدية لأداء ثمن الوقود مثلا، في وقت ترفع فيه المملكة شعار الرقمنة وتحديث الخدمات. لذلك، فإن وضع حد لهذه الممارسات لم يعد مجرد مطلب استهلاكي، بل ضرورة اقتصادية وتشريعية تفرض الانتقال من الشعارات إلى إجراءات ملموسة. والكرة اليوم في ملعب الحكومة الجديدة: فمحاربة من يتلاعب بجيوب المغاربة ينبغي أن تشمل أيضا من يتهرب من واجباته ويترك فاتورة ذلك يتحملها المواطن والاقتصاد الوطني.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.