بقلم مدير النشر: محمد الحبشاوي
في كل مرة نسمع فيها عن اعتداء يستهدف أستاذاً أو أستاذة داخل مؤسسة تعليمية، أشعر أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بواقعة معزولة، بل بما أصبحنا عليه كمجتمع. كيف تحوّل فضاء يفترض أن يكون آمنا، إلى ساحة توتر وانفلات؟ وكيف فقد أستاذ الأجيال جزءا كبيرا من هيبته التي كانت يوما خطا أحمر؟
ما حدث ويحدث اليوم لا يمكن التعامل معه كخبر عابر أو حادث بسيط. الاعتداء على رجل أو امرأة التعليم هو في العمق اعتداء على فكرة المدرسة نفسها، وعلى قيمة العلم، وعلى مستقبل أبنائنا قبل حاضرهم.
أنا لا أبرر ولا أبحث عن أعذار، لأن ما لا يمكن قبوله هو أن يصبح العنف لغة داخل مؤسسة تربوية. الأستاذ ليس خصما، وليس سببا في كل توتر اجتماعي أو مشاكل أسرية تنقل إلى المدرسة. الأستاذ في النهاية يقوم بمهامه داخل منظومة تعاني أصلاً من ضغط الاكتظاظ، وضعف الإمكانيات، وتداخل الأدوار، وتراجع ثقافة الاحترام.
المؤسف أن البعض اليوم أصبح يتعامل مع المدرسة وكأنها امتداد للشارع، ومع الأستاذ وكأنه طرف في صراع، وليس حامل رسالة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة تعليمية.
القانون من جهته واضح، ولا يحتاج إلى تأويل. الاعتداء على موظف أثناء أداء مهامه يدخل في إطار الممنوع والمعاقب عليه قانونياً، سواء وفق مقتضيات القانون الجنائي أو النصوص المنظمة لقطاع التعليم التي تشدد على ضرورة حماية المؤسسة التعليمية وضمان حرمتها. لكن الإشكال الحقيقي ليس في النصوص، بل في الإحساس بأن تطبيقها لا يكون دائما بالصرامة المطلوبة.
من وجهة نظري، نحن لا نعيش فقط أزمة اعتداء، بل أزمة “هيبة”. حين يفقد الأستاذ مكانته في وعي المجتمع، تصبح المدرسة كلها في خطر. لأن الأستاذ ليس مجرد موظف، بل هو من يصنع الطبيب والمهندس والإطار وكل من يشتغل اليوم في المجتمع.
لا يمكن أن نطالب بجودة التعليم، وبناء مدرسة عمومية قوية، بينما نسمح في الوقت نفسه بإهانة من يحملون هذا المشروع على أكتافهم. الاحترام ليس ترفاً، بل هو أساس العملية التربوية.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط بيانات إدانة، بل وقفة حقيقية لإعادة الاعتبار لرجال ونساء التعليم. وقفة تبدأ من الأسرة، وتمر عبر الإعلام، وتنتهي عند تطبيق صارم للقانون داخل المؤسسات، حتى لا يتحول الأستاذ إلى الحلقة الأضعف في منظومة يُفترض أنها تحميه قبل أن تطلب منه النتائج.
باختصار، حين يستباح “أستاذ الأجيال”، فنحن لا نخسر فردا فقط، بل نخسر جزءا من مستقبلنا الجماعي.

مواطن
احسنت
اصبح مستقبل ابنائنا رهين بمدى احترام المؤسسة التعليمية وأطرها وعلى رأسهم المعلم