أخبارنا المغربية - وكالات
تحتضن أمعاء الإنسان تريليونات الكائنات الدقيقة التي لا يقتصر دورها على الهضم فقط، بل يمتد إلى التأثير في المناعة والالتهابات وطريقة استجابة الجسم للأمراض، وهو ما يدفع باحثين إلى دراسة علاقتها المتنامية بالسرطان. وفي هذا الإطار، يواصل الدكتور مينغيانغ سونغ، الأستاذ المشارك في كلية هارفارد للصحة العامة، أبحاثه حول سبل توظيف الغذاء والميكروبيوم في الوقاية من السرطان وتحسين فرص العلاج، وذلك قبيل مشاركته في الاجتماع السنوي للرابطة الأمريكية لبحوث السرطان AACR 2026 المقرر بين 17 و22 أبريل الجاري.
ويعتمد سونغ في مقاربته البحثية على الجمع بين الدراسات السكانية الواسعة والتجارب السريرية الدقيقة، من أجل الانتقال من مجرد رصد الارتباطات الإحصائية إلى فهم الآليات البيولوجية الفعلية. وبحسب حديثه لموقع Technology Networks، فإن هذا الدمج يسمح بتتبع العلاقة بين الأنماط الغذائية والميكروبيوم من جهة، وبين خطر السرطان أو آليات الوقاية منه من جهة أخرى، في مسار يهدف إلى بناء أدلة أكثر صلابة وقابلية للتطبيق الطبي.
كما لفتت أبحاث الفريق الانتباه إلى القهوة باعتبارها عاملاً مؤثراً في ميكروبيوم الأمعاء، بعدما أظهرت دراسة منشورة في Nature Microbiology أن استهلاك القهوة يرتبط بزيادة وفرة بكتيريا Lawsonibacter asaccharolyticus عبر عدة مجموعات سكانية، مع وجود مؤشرات مخبرية على أن بعض مركبات القهوة قد تحفز نموها. غير أن هذه النتائج، رغم أهميتها، لا تثبت وحدها أن القهوة "تمنع السرطان" بشكل مباشر، بل تقدم آلية بيولوجية محتملة قد تساعد في تفسير بعض الروابط التي رصدتها دراسات سابقة بين شرب القهوة وبعض المؤشرات الصحية.
ومن جهة أخرى، يرى سونغ أن بيانات الميكروبيوم قد تساعد مستقبلاً في تحسين أدوات الكشف المبكر عن سرطان القولون، من خلال إضافة "إشارات" بيولوجية جديدة إلى النماذج الحالية التي تعتمد على العمر والعوامل الوراثية ونمط الحياة. لكنه شدد، وفق المقابلة نفسها، على أن هذه الأدوات لا تزال في طور التطوير، وأنها مرشحة لتكملة وسائل الفحص الحالية لا لاستبدالها، وهو ما يعكس حذراً علمياً في التعامل مع هذا المجال سريع التطور.
وفي المقابل، بدا الباحث أكثر تحفظاً بشأن فكرة تصميم نظام غذائي شخصي لكل فرد استناداً إلى بكتيريا الأمعاء، إذ أقر بأن هذا الهدف لا يزال بعيداً عن التطبيق السريري بسبب نقص الدراسات الطويلة التي تراقب كيف تؤثر التغيرات في الميكروبيوم على مسار السرطان بمرور الزمن. ولهذا، يواصل فريقه تحليل بيانات طويلة الأمد من دراسات سكانية كبرى لفهم توقيت هذه التغيرات وأثرها الفعلي على المرض.
وفي هذا السياق، يراهن سونغ على أدوات مثل الميتابولوميكس والبروتيوميكس والتعلم الآلي لتسريع فك العلاقة المعقدة بين الغذاء والميكروبيوم والسرطان، باعتبارها وسائل تساعد على قراءة الوظائف الحيوية للكائنات الدقيقة ودمج كميات ضخمة من البيانات المتشابكة. ويعكس هذا التوجه اتساع الاهتمام العلمي العالمي بميكروبيوم الأمعاء، ليس فقط باعتباره جزءاً من عملية الهضم، بل باعتباره عنصراً مرشحاً للعب دور مهم في مستقبل الوقاية من السرطان والكشف المبكر عنه.
