أخبارنا المغربية - وكالات
كشفت دراسة علمية حديثة عن أول دليل موثق على قدرة حشرات على عبور المحيط الأطلسي في رحلة طويلة دون توقف، بعدما رصد باحثون فراشات من نوع "السيدة المطلية" (Vanessa cardui) قطعت ما لا يقل عن 4200 كيلومتر من غرب أفريقيا إلى غويانا الفرنسية خلال مدة تراوحت بين 5 و8 أيام، في واحدة من أطول الرحلات المسجلة علمياً لحشرة. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications عام 2024.
وبدأت القصة عندما عثر عالم الأحياء التطوري جيرارد تالافيرا سنة 2013 على فراشات من هذا النوع فوق شواطئ غويانا الفرنسية، في مشهد أثار استغراب الباحثين، لأن هذا النوع لا يعد من الأنواع المعتادة في أمريكا الجنوبية. وبعد سنوات من التحليل، خلص فريق دولي إلى أن هذه الفراشات نفذت عبوراً عابراً للمحيط من أفريقيا، مع احتمال أن يكون منشؤها الأصلي في غرب أوروبا قبل مرورها عبر أفريقيا.
واعتمد العلماء في تتبع أصل هذه الفراشات على أكثر من دليل علمي، شمل تحليل الجينوم، وفحص الحمض النووي لحبوب اللقاح العالقة بأجسامها، إلى جانب دراسة النظائر الكيميائية في أجنحتها. وأظهرت النتائج ارتباطاً وراثياً بسلالات من أوروبا وأفريقيا، فيما كشفت حبوب اللقاح عن نباتات استوائية أفريقية، كما دعمت البصمات الكيميائية فرضية قدومها من نطاق غربي أوروبي أو أفريقي، مع استبعاد أمريكا الشمالية كمصدر محتمل.
كما رجّح الباحثون أن الرحلة الفعلية ربما كانت أطول من 4200 كيلومتر، لأن بعض الفراشات قد تكون بدأت مسارها من أوروبا، ثم مرت عبر أفريقيا قبل عبور الأطلسي، ما قد يرفع المسافة الإجمالية إلى 7000 كيلومتر أو أكثر. ويُعرف هذا النوع أصلاً بهجراته الطويلة بين أوروبا وأفريقيا، لكن تلك الرحلات المعتادة تتضمن توقفات للراحة والتغذية، بخلاف هذا العبور البحري الذي يُعتقد أنه تم من دون توقف.
ولفهم كيفية إنجاز هذه الرحلة الاستثنائية، درس العلماء أنماط الرياح بين أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وخلصوا إلى أن الفراشات استفادت من الرياح التجارية وطبقات الهواء الصحراوي القادمة من شمال أفريقيا، بما وفر لها دعماً جوياً حاسماً فوق المحيط. وأشار الباحثون إلى أن الجمع بين الطيران النشط واستغلال التيارات الهوائية الصاعدة هو ما جعل العبور ممكناً، إذ إن الطاقة الذاتية للحشرة وحدها لم تكن لتكفي لمثل هذه المسافة.
ويرى معدّو الدراسة أن هذا الاكتشاف يعيد النظر في التصورات العلمية المتعلقة بقدرة الحشرات على الانتشار لمسافات هائلة عبر البحار والمحيطات، كما يفتح الباب أمام فهم جديد لدور الهجرات الطبيعية في تشكيل التوزيع الجغرافي للأنواع عبر القارات. ويشير الباحثون إلى أن مثل هذه الظواهر قد تكون أكثر حدوثاً مما كان يعتقد سابقاً، لكن صعوبة تتبع الحشرات جعلت توثيقها نادراً حتى الآن.
