لماذا لا تتجمد مياه المحيطات رغم البرودة الشديدة في أعماقها؟
على عمق آلاف الأمتار تحت سطح المحيط، تختفي أشعة الشمس وتنخفض درجات الحرارة إلى مستويات تقترب من الصفر المئوي، بينما تتعرض المياه لضغوط هائلة يصعب تصورها. ورغم هذه الظروف القاسية، تظل معظم مياه الأعماق في حالتها السائلة، حتى في الخنادق البحرية التي يصل عمقها إلى نحو 11 كيلومتراً، في ظاهرة تفسرها مجموعة من الخصائص الفيزيائية والكيميائية التي تميز مياه البحر عن المياه العذبة.
ويكمن العامل الأساسي في ملوحة مياه المحيطات، إذ تحتوي في المتوسط على نحو 35 غراماً من الأملاح الذائبة في كل كيلوغرام من الماء، ما يخفض درجة تجمدها إلى حوالي 1.9 درجة مئوية تحت الصفر عند الضغط الجوي المعتاد. وعلى عكس المياه العذبة التي تتجمد عند الصفر المئوي في الظروف العادية، تستطيع مياه البحر البقاء سائلة عند درجات حرارة أقل، لأن الأملاح تعيق تكوّن البنية البلورية المنتظمة للجليد.
وتختلف حرارة مياه المحيطات بشكل كبير بين السطح والأعماق، إذ تمتص الطبقات العليا قدراً من الطاقة الشمسية، بينما تتراجع درجات الحرارة تدريجياً مع الابتعاد عن السطح، خصوصاً في منطقة تعرف باسم «الثرموكلين»، حيث يحدث انخفاض سريع في الحرارة. وبعد تجاوز عمق ألف متر، تستقر درجات الحرارة في مساحات واسعة من المحيطات غالباً بين صفر وأربع درجات مئوية، وهي مستويات باردة للغاية، لكنها تظل أعلى من درجة التجمد الفعلية للمياه المالحة في تلك الظروف.
وفي المناطق القطبية، تصبح الظاهرة أكثر تعقيداً عندما يبدأ الجليد البحري بالتشكل على السطح، إذ تتكون بلوراته أساساً من الماء، بينما تُستبعد معظم الأملاح إلى المياه المحيطة. ويؤدي ذلك إلى زيادة ملوحة هذه المياه وارتفاع كثافتها، فتغوص نحو الأعماق وتساهم في حركة الكتل المائية الباردة داخل المحيطات، وهي عملية تلعب دوراً مهماً في الدورة المحيطية العالمية وتوزيع الحرارة والمواد الغذائية بين مختلف المناطق البحرية.
أما الضغط الهائل في أعماق المحيطات، فيؤثر بدوره في الخصائص الفيزيائية للماء، بما فيها درجات التجمد والانصهار، لكنه لا يفسر وحده استمرار المياه في حالتها السائلة. ففي خندق ماريانا بالمحيط الهادئ، حيث يتجاوز العمق 10 آلاف متر ويبلغ الضغط أكثر من ألف ضعف الضغط الجوي عند سطح البحر، تبقى المياه سائلة بفعل تفاعل الضغط مع درجة الحرارة والملوحة، وليس بسبب عامل واحد منفصل.
وتضيف حرارة باطن الأرض جانباً آخر إلى هذه الظاهرة، خصوصاً في المناطق التي تشهد نشاطاً بركانياً تحت الماء. ففي بعض أجزاء قاع المحيط، تتسرب المياه عبر شقوق القشرة الأرضية لتسخن بفعل الصخور العميقة، قبل أن تعود عبر فتحات حرارية مائية قد تتجاوز حرارة السوائل الخارجة منها 300 درجة مئوية. ومع ذلك، يظل تأثير هذه المصادر الحرارية محلياً، ولا يشكل السبب الرئيسي لبقاء الكميات الهائلة من مياه الأعماق سائلة.
وتكشف هذه المعطيات أن تجمد الماء لا يتحدد بمجرد اقتراب حرارته من الصفر، وإنما يعتمد على ظروف الوسط الذي يوجد فيه، وعلى رأسها تركيز الأملاح والضغط المحيط به. ولهذا فإن المياه شديدة البرودة في أعماق المحيطات قد تظل بعيدة عن نقطة تجمدها الفعلية، رغم أن حرارتها تبدو كافية لتجميد المياه العذبة، وهو ما يبرز الدور الحاسم للخصائص الكيميائية والفيزيائية في تنظيم البيئة البحرية.
ولا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على تفسير سبب بقاء المحيطات سائلة، إذ ترتبط أيضاً بحركة التيارات البحرية العميقة وتوزيع الأكسجين والحرارة داخل البحار، وهي عمليات أساسية لاستمرار الأنظمة البيئية البحرية والتوازن المناخي العالمي. وبذلك، فإن الملوحة التي تبدو مجرد خاصية مألوفة لمياه البحر تؤدي دوراً بالغ الأهمية في الحفاظ على طبيعة المحيطات، حتى في أكثر مناطق الأرض برودة وعمقاً.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.