مؤتمر ميونيخ للأمن: واشنطن وأوروبا وعقدة "الطفل المدلل"
أخبارنا المغربية - دويتشه فيله
شهد مؤتمر ميونيخ للأمن في العام الماضي مفاجأة كبيرة عندما انتقد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بسبب سياساتهم المتعلقة بالهجرة وحرية التعبير.
ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرٍ مستفيض نُشر بالتزامن مع انطلاق النسخة الـ62 من مؤتمر ميونيخ الجمعة (13 شباط/فبراير 2026)، أن خطاب فانس الصادم "شكل هزة قوية للتحالف عبر الأطلسي". وأضافت الصحيفة أنه خلال العام الذي تلا ذلك، فرض الرئيس دونالد ترامب رسوما جمركية على السلع الأوروبية، ودفع باتجاه إنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط تصب بدرجة كبيرة في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأشارت إلى أن ترامب لم يكتفِ بذلك، فقد هدد أيضا بفرض السيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك بأي وسيلة، كما سخر من القادة الأوروبيين أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قائلا إن أوروبا "لن تكون شيئا من دون الولايات المتحدة".
وقالت الصحيفةإن نهج إدارة ترامب تجاه حلفائها الأوروبيين يمثل "تفككا للصداقة" التي ربطت الغرب طوال أكثر من سبعة عقود منذ الحرب العالمية الثانية، مضيفة أن ذلك جعل القادة الأوروبيين أكثر حذرا، وفي بعض الحالات أكثر تحديا للولايات المتحدة.
"فقدان الثقة أسهل من استعادتها"
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن القادة في القارة لم يعودوا يتوقعون عودة العلاقات مع أمريكا إلى ما كانت عليه قبل ترامب، حتى بعد مغادرته منصبه.
وقالت إن الأوروبيين سرعوا خطواتهم لتقليل اعتمادهم العسكري والاقتصادي على الولايات المتحدة، مع استمرارهم في استمالة الرئيس بالمجاملات بهدف الحفاظ على ما تبقى لهم من نفوذ بشأن أوكرانيا وملفات عالمية أخرى.
وتساءلت الصحيفة عما إذا كان بإمكان الأوروبيين الوثوق بالولايات المتحدة مجددا، وماذا يمكنهم فعله إن لم يستطيعوا ذلك.
وفي هذا السياق، استشهدت بتصريح لرئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، وولفغانغ إيشنغر، قال فيه: "لقد شهدنا قدرا كبيرا من فقدان الثقة، ولا شك في ذلك. ومن الممكن بالطبع إعادة بناء الثقة، لكننا نعلم جميعا أن فقدانها أسهل بكثير من استعادتها".
وأضافت أن رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، طرحت تساؤلا أكثر جرأة مفاده إلى متى ستظل الولايات المتحدة حليفا لأوروبا؟
استرضاء ترامب
وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن القادة الأوروبيين حاولوا طويلا استرضاء ترامب عبر مجاملته ومنحه مكاسب صغيرة. فقد تعهد الأوروبيون بزيادة الإنفاق العسكري داخل الناتو، وهو أحد مطالب ترامب القديمة، كما وصفه بعضهم بأنه الزعيم الوحيد القادر على التوسط لتحقيق السلام في أوكرانيا في محاولة لإبعاده عن نفوذ فلاديمير بوتين.
وأبرم الأوروبيون اتفاقات تجارية للحد من أثر الرسوم التي هدد ترامب بفرضها، كما تعهدوا الشهر الماضي بتعزيز دفاعات الناتو في القطب الشمالي لإبطاء محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند من الدنمارك.
"أوروبا كطفل كبر"
ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق لدى الناتو، إيفو دالدر، قوله إن أزمة غرينلاند دفعت الأوروبيين إلى الاعتقاد بان الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة "لم يعد ممكنا ولا حكيما استراتيجيا". وأضاف أنه "لا يمكن لأوروبا أن تثق بأمريكا اليوم، ولا غدا، ما لم تتصرف الولايات المتحدة بطريقة تستعيد بها تلك الثقة. ومن المرجّح ألا تستعيد أوروبا ثقتها بنا أبدا. العلاقة لن تعود كما كانت".
أما مسؤولو الإدارة الأمريكية فيرون الأمر بشكل مختلف؛ إذ يقولون إن ترامب يدفع أوروبا لتكون شريكا أقوى وأكثر اعتمادا على الذات. وقال السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، إن "أوروبا أشبه بطفل قد كبر وحان الوقت ليبحث عن عمل. نحن لا نطالب بالاستقلالية الأوروبية، بل بالقوة الأوروبية".
الثقة بأمريكا… ماذا يقول الألمان؟
وظلت الولايات المتحدة لعقود الشريك الأهم لألمانيا خارج أوروبا، إلا أن الألمان باتوا اليوم، في ظل إدارة ترامب، ينظرون إليها على أنها أقرب إلى خصم، بحسب استطلاع أجراه معهد "يوغوف" لصالح وكالة الأنباء الألمانية بمناسبة مؤتمر ميونيخ.
وبحسب الاستطلاع، يرى 49% من الألمان أن الولايات المتحدة أقرب إلى خصم، مقابل 16% يعتبرونها شريكا، و29% يعتبرونها "لا هذا ولا ذاك". وفي المقارنة، يرى 72% أن فرنسا شريك، و4% فقط يعتبرونها خصما. أما الصين، فيراها 15% شريكا و38% خصما.
ويطالب حزب الخضر الألماني بزيادة استقلالية ألمانيا والاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وقالت المتحدثة باسم السياسة الخارجية للحزب، ديبورا دورينغ، أمام البرلمان إن على ألمانيا و الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلالهما في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والاقتصاد والطاقة والرقمنة والتكنولوجيا والبنى التحتية الحيوية.
