القائمة الرئيسية
أخبارنا

لماذا لا تلجأ الحكومة إلى تخفيض الضريبة على المحروقات لمواجهة ارتفاع أسعار الغازوال؟

لماذا لا تلجأ الحكومة إلى تخفيض الضريبة على المحروقات لمواجهة ارتفاع أسعار الغازوال؟

عادت أسعار المحروقات لتتصدر النقاش العمومي في المغرب، بعدما تجاوز سعر لتر الغازوال حاجز 17 درهما في عدد من محطات التوزيع، في ارتفاع مهول أثار موجة من الاستياء في صفوف المواطنين والمهنيين على حد سواء، خاصة وأن هذه المادة الحيوية  تشكل عصب الحياة الاقتصادية، وتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في تحديد أسعار جل المواد الاستهلاكية والخدمات، من النقل إلى الفلاحة والصناعة.

وفي خضم هذا الجدل، يطرح المواطنون سؤالا بسيطا في ظاهره، ومعقدا في عمقه: لماذا لا تلجأ الحكومة إلى تخفيض الضريبة على المحروقات، والمحددة في 2.4 درهم عن كل لتر من الغازوال، لمواجهة هذا الارتفاع، والتخفيف من وقعه على القدرة الشرائية للمواطنين؟

ويذهب كثير من المتتبعين إلى أن تخفيض هذه الضريبة، ولو بشكل مؤقت، كان سيمكن من إعادة سعر الغازوال إلى مستويات مقبولة، دون الحاجة إلى تدخل مباشر في السوق، خاصة وأن المغرب كان قد حرر أسعار المحروقات منذ سنة 2015، وأصبحت بذلك الأسعار الداخلية مرتبطة بشكل وثيق بتقلبات السوق الدولية، وسعر صرف الدرهم مقابل الدولار.

غير أن الحكومة، ومن خلال أكثر من خرجة إعلامية، تبرر عدم لجوئها إلى هذا الخيار بكون الضريبة على المحروقات تشكل موردا ماليا أساسيا لخزينة الدولة، يساهم في تمويل النفقات العمومية، وفي مقدمتها القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة والدعم الاجتماعي المباشر، وأن أي تخفيض فيها سيعني خسارة مالية تقدر بمليارات الدراهم سنويا، وهو ما سينعكس سلبا على التوازنات المالية للدولة، وعلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

كما ترى الحكومة أن تخفيض الضريبة لن يكون له أثر دائم، بل سيكون حلا ظرفيا سرعان ما يتلاشى مع أي ارتفاع جديد في الأسعار الدولية، بينما ستتحمل الدولة كلفته المالية بشكل مستمر، فضلا عن أن هذا الإجراء سيستفيد منه الجميع بنفس القدر، بما في ذلك الفئات الميسورة والشركات الكبرى التي تستهلك كميات ضخمة من المحروقات، وهو ما يتعارض، في نظرها، مع مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يفترض توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة، عبر آليات أخرى كالدعم المباشر.

وفي المقابل، يرى منتقدو هذا التوجه أن الحكومة تتعامل مع ملف المحروقات بمنطق الجباية فقط، وتتجاهل أن ارتفاع أسعار الغازوال لا يضرب القدرة الشرائية فحسب، بل يرفع كلفة الإنتاج والنقل، ويدفع في اتجاه موجة جديدة من التضخم، ستطال جميع المواد الغذائية والخدمات، وهو ما يجعل المواطن البسيط هو المتضرر الأكبر، سواء بشكل مباشر من خلال ملء خزان سيارته، أو بشكل غير مباشر من خلال الزيادة في أسعار الخضر والفواكه والسلع التي تصل إليه عبر وسائل النقل.

ويشير هؤلاء المنتقدون إلى أن الدولة كانت قد استفادت، خلال فترات انخفاض الأسعار الدولية، من هوامش ربح مهمة بفضل هذه الضريبة، وكان من المفترض أن يتم توظيف جزء من تلك العائدات في إحداث صندوق لموازنة الأسعار، أو في تخفيض الضريبة بشكل مؤقت كلما تجاوز السعر سقفا معينا، كما هو معمول به في عدد من الدول التي تعتمد نظام الضريبة المتحركة، التي ترتفع عندما تنخفض الأسعار الدولية، وتنخفض عندما ترتفع الأسعار، بما يضمن استقرارا نسبيا في السعر النهائي للمستهلك.

كما يطرح مهنيو النقل والفلاحون سؤالا آخر، يتعلق بغياب أي آلية واضحة للتدخل عند الأزمات، ففي الوقت الذي تعرف فيه الأسعار الدولية تقلبات حادة بسبب التوترات الجيوسياسية والحروب، يجد المغرب نفسه دون أي هامش للمناورة، بعد تفويت مصفاة سامير، وغياب أي مخزون استراتيجي كاف، وهو ما يجعل السوق الوطنية رهينة لقرارات الشركات الموزعة، ولتقلبات السوق الدولية، دون أي قدرة للحكومة على حماية المستهلك.

وما يزيد من حدة الجدل، هو الشعور لدى شريحة واسعة من المواطنين بأن الحكومة لا تبذل أي مجهود حقيقي للتخفيف من معاناتهم، وأنها تكتفي بتبريرات تقنية ومالية، بينما تستمر الشركات الموزعة في تحقيق أرباح مهمة، وهو ما أعاد إلى الواجهة المطالب المتعلقة بضرورة تفعيل دور مجلس المنافسة بشكل أقوى، والكشف عن هوامش الربح الحقيقية للشركات، ومراجعة طريقة احتساب الأسعار، بما يضمن الشفافية والمنافسة الشريفة.

وفي انتظار أن تحسم الحكومة موقفها، يبقى السؤال معلقا: هل ستظل الضريبة على المحروقات خطا أحمر لا يمكن المساس به، حتى لو وصل سعر الغازوال إلى مستويات قياسية جديدة؟ أم أن الضغط الشعبي والمهني سيدفعها في نهاية المطاف إلى مراجعة هذا الخيار، ولو بشكل مؤقت، حفاظا على القدرة الشرائية، وعلى السلم الاجتماعي؟

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.