أعادت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA 2025 وضع منظومة التعليم المغربية تحت المجهر، بعدما كشفت عن ضعف مقلق في امتلاك التلاميذ للكفايات الأساسية في القراءة والرياضيات والعلوم، مقابل مؤشرات أخرى تؤكد أن المغرب قطع خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة في توسيع قاعدة المستفيدين من التعليم وتحسين عدد من شروط التمدرس، ما يجعل قراءة هذه النتائج بحاجة إلى قدر من التوازن بعيداً عن التهويل أو التبرير.
وتكشف أرقام التقرير أن 13% فقط من التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة يبلغون الحد الأدنى من الكفايات في القراءة، مقابل 69% في متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بينما تبلغ النسبة 16% في الرياضيات مقابل 65%، و23% في العلوم مقابل 74%. وبصيغة أكثر وضوحاً، فإن 87% من التلاميذ المغاربة المشاركين في الاختبار لا يبلغون الحد الأدنى المطلوب في القراءة، و84% في الرياضيات، و 77% في العلوم، وهي مؤشرات تضع قدرة المنظومة التعليمية على تحويل سنوات التمدرس إلى تعلم فعلي أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل اقتصاد ومجتمع يتجهان بشكل متسارع نحو المعرفة والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن التقرير نفسه يقدم معطى مهماً ينبغي استحضاره عند قراءة هذه النتائج، إذ ارتفع بين 2018 و2025 عدد المغاربة في سن الخامسة عشرة المؤهلين للمشاركة في اختبار PISA بأكثر من 30%، في وقت ظل فيه العدد الإجمالي للسكان في هذه الفئة العمرية مستقراً نسبياً. ويعكس هذا التطور اتساع قاعدة التلاميذ الذين أصبحوا يصلون إلى التعليم الثانوي، بما في ذلك فئات كانت في السابق أكثر عرضة للانقطاع أو خارج نطاق الاختبارات الدولية، وهو ما يؤكد أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في توسيع الولوج إلى المدرسة، غير أن هذا التوسع لم يواكبه بعد التحسن المأمول في جودة التعلمات.
ولا تتوقف مؤشرات التقرير عند نتائج الاختبار، بل تمتد إلى الزمن الفعلي الذي يقضيه التلميذ داخل المدرسة وفي وضعية تسمح له بالتعلم، حيث أفاد 36% من التلاميذ المغاربة بأنهم تغيبوا يوماً دراسياً كاملاً على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، بينما صرح 62% بغيابهم عن حصة واحدة على الأقل، و 59% بوصولهم متأخرين إلى المدرسة. وتزداد الصورة وضوحاً مع المعطيات المتعلقة بظروف التعلم داخل الأقسام، إذ قال 36% من التلاميذ إنهم لا يستطيعون العمل بشكل جيد في معظم حصص العلوم أو جميعها، فيما أكد 41% أن الضوضاء والفوضى تعطل معظم الحصص أو كلها، ما يطرح إشكالية الزمن المدرسي الفعلي وجودة البيئة التي يفترض أن تتم فيها عملية التعلم.
وفي المقابل، لا تقدم النتائج صورة سلبية عن العلاقة بين التلاميذ والأساتذة، بل تكشف عن مؤشرات إيجابية تستحق التوقف عندها، إذ قال 73% من التلاميذ إن أستاذ العلوم يهتم بتعلم كل تلميذ، بينما أكد 76% أنه يواصل الشرح إلى أن يفهموا، وصرح 76% بأنه يقدم مساعدة إضافية عندما يحتاجون إليها. كما سجلت المنظومة تحسناً في بعض الموارد، إذ تراجعت نسبة التلاميذ الموجودين في مدارس يرى مديروها أن نقص هيئة التدريس يعرقل التعليم من 56% سنة 2022 إلى 36% سنة 2025، وانخفضت الصعوبات المرتبطة بالبنيات التحتية من 65% إلى 52%، غير أن نقص الموارد التعليمية لا يزال يمثل عائقاً في مؤسسات تضم 69% من التلاميذ.
وفي الوقت الذي تكشف فيه هذه الأرقام عن تحديات مرتبطة بالموارد والزمن المدرسي وظروف التعلم، يرصد التقرير تحولاً جديداً بات يفرض نفسه على المدرسة المغربية، يتعلق بالحضور المتزايد للذكاء الاصطناعي في حياة التلاميذ. فقد أفاد 45% من التلاميذ المغاربة بأنهم يستخدمون روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة على التعلم مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، فيما يستخدمها 36% للبحث الأولي عن موضوع جديد، و30% لتلخيص النصوص، و 29% للمساعدة في إنجاز الواجبات، بما يعكس واقعاً جديداً لم يعد من الممكن التعامل معه بمنطق المنع وحده، وإنما من خلال تأطير الاستخدام وتوجيهه بما يخدم التعلم ويحافظ في الوقت نفسه على قدرة التلميذ على القراءة والكتابة والتفكير بشكل مستقل.
ورغم ضعف النتائج في الكفايات الأساسية، تسجل المعطيات مؤشرات مشجعة على مستوى دافعية التلاميذ، إذ قال 67% منهم إنهم يبذلون جهداً إضافياً عندما تصبح المهمة صعبة، بينما يلجأ 82% إلى أساتذتهم عند الحاجة إلى المساعدة، و84% إلى زملائهم عندما يواجهون صعوبة في الفهم. كما أن 17% فقط يعتبرون المدرسة مضيعة للوقت، مقابل 24% في متوسط دول المنظمة، مع تسجيل انخفاض هذه النسبة في المغرب بـ12.8 نقطة بين 2022 و2025، وهو ما يشير إلى أن ضعف النتائج لا يرتبط بالضرورة بفقدان التلميذ الرغبة في التعلم أو قناعته بقيمة المدرسة.
وتقود هذه المعطيات مجتمعة إلى خلاصة أساسية مفادها أن المغرب يدخل مرحلة جديدة من إصلاح التعليم، لم يعد فيها التحدي مقتصراً على ضمان ولوج الأطفال إلى المدرسة وإبقائهم داخلها، بل أصبح مرتبطاً بمدى ما يتعلمونه فعلياً خلال سنوات التمدرس. ولذلك، فإن نجاح الإصلاح خلال المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التعليمية أو نسب التمدرس أو حجم الموارد المرصودة، وإنما بقدرة المدرسة على ضمان إتقان القراءة والحساب والفهم والتفكير العلمي منذ السنوات الأولى، والكشف المبكر عن التعثر، والحد من الغياب والهدر المدرسي، وتحسين ظروف التعلم داخل الأقسام.
وبقدر ما تكشف نتائج PISA 2025 عن اختلالات مقلقة، فإنها تكشف أيضاً أن توسيع قاعدة المستفيدين من التعليم حقق تقدماً مهماً، وأن التلميذ المغربي لا يزال يبدي استعداداً للتعلم وطلب المساعدة وبذل الجهد عندما يواجه صعوبات. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي تضعه هذه النتائج أمام المغرب لا يتمثل فقط في تحسين ترتيبه في اختبار دولي، وإنما في الانتقال من مدرسة تضمن الحضور إلى مدرسة تضمن التعلم، ومن تعميم التمدرس إلى تعميم الكفايات، حتى لا يبقى طفل داخل المدرسة سنوات طويلة دون أن يمتلك الأدوات الأساسية التي تمكنه من مواصلة التعلم وبناء مستقبله.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.