هل تحدد جيناتك طريقة نومك؟
أخبارنا المغربية - وكالات
لم يعد النوم يُنظر إليه باعتباره عادة يومية بسيطة يمكن التحكم فيها بالكامل، بل باعتباره عملية بيولوجية معقدة تتداخل فيها الجينات مع نمط الحياة والبيئة. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الطريقة التي ننام بها، سواء من حيث الميل إلى السهر أو الاستيقاظ المبكر، قد تكون متأثرة جزئياً بعوامل وراثية، إلى جانب السلوك اليومي وظروف الحياة.
ويصف العلماء اختلاف مواعيد النوم والاستيقاظ بين الناس بمصطلح النمط الزمني، وهو جزء من الساعة البيولوجية التي تنظم إيقاع الجسم على مدار 24 ساعة. وتُظهر دراسات التوائم والأسر أن العوامل الوراثية قد تفسر نحو 40 إلى 50% من اختلافات النمط الزمني بين الأفراد، بينما تفسر البيئة والعادات اليومية النسبة المتبقية.
وهذا يفسر لماذا يستيقظ بعض الأشخاص مع الفجر بنشاط، بينما يشعر آخرون بأن تركيزهم الحقيقي يبدأ في ساعات متأخرة من الليل. كما يتغير هذا الإيقاع مع العمر؛ فالأطفال غالباً يميلون إلى الاستيقاظ المبكر، بينما يتجه كثير من المراهقين بيولوجياً إلى السهر، قبل أن يعود عدد من البالغين تدريجياً إلى نمط أقرب إلى الصباح.
ورغم أن التوصيات الصحية العامة تشير إلى أن أغلب البالغين يحتاجون بين 7 و9 ساعات من النوم كل ليلة، فإن هذا الرقم لا ينطبق على الجميع بالطريقة نفسها. فقد كشفت دراسات عن حالات نادرة لأشخاص يُعرفون بـ“قصيري النوم الطبيعيين”، يمكنهم الشعور بالراحة بعد نحو 4 إلى 6 ساعات فقط، ويرتبط ذلك أحياناً بطفرات جينية مثل DEC2. لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الحالات نادرة، وأن معظم من يعتقدون أنهم لا يحتاجون إلى النوم الكافي قد يكونون في الواقع محرومين من النوم دون إدراك كامل لذلك.
ويمتد التأثير الوراثي أيضاً إلى بعض اضطرابات النوم. فقد وجدت مراجعة تحليلية لدراسات التوائم أن قابلية الإصابة بالأرق لها مكون وراثي متوسط يقارب 39%، ما يعني أن الجينات قد تزيد الاستعداد، لكنها لا تحسم الإصابة وحدها. فالتوتر، والعمل الليلي، والاستخدام المفرط للشاشات، وعدم انتظام مواعيد النوم، كلها عوامل قد تُظهر المشكلة أو تزيد حدتها.
ولا يعني النوم أن الدماغ يتوقف عن العمل. فخلال ساعات النوم، يعيد الدماغ تنظيم الذكريات، ويدعم التوازن الهرموني، ويساعد الجسم على إصلاح نفسه، كما يساهم في دعم المناعة والصحة النفسية. لذلك فإن أي اضطراب مزمن في النوم قد ينعكس على التركيز، والمزاج، والطاقة، وجودة الحياة.
ومع ذلك، يبقى نمط الحياة عاملاً أساسياً في تحسين النوم، حتى لدى من يمتلكون ميولاً وراثية معينة. وتنصح مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالحفاظ على وقت نوم واستيقاظ ثابت، وتهيئة غرفة هادئة ومريحة، وإبعاد الأجهزة الإلكترونية قبل النوم، وتجنب الكافيين في فترة ما بعد الظهر أو المساء، مع ممارسة الرياضة بانتظام.
وبين الجينات والاختيار، يبدو النوم نتيجة توازن دقيق. فالجينات قد تحدد ميولك الأساسية، لكنها لا ترسم مصيرك بالكامل. ويمكن للعادات اليومية، مثل تنظيم المواعيد، وتقليل الشاشات، وتخفيف المنبهات، أن تساعد في تحسين جودة النوم حتى عندما لا تكون ساعتك البيولوجية مثالية.
