"نظام الطيبات".. بين وهم الشفاء وخطر الموت.. لماذا يقتنع الناس بفعاليته رغم غياب الدليل العلمي؟

"نظام الطيبات".. بين وهم الشفاء وخطر الموت.. لماذا يقتنع الناس بفعاليته رغم غياب الدليل العلمي؟

أخبارنا المغربية- إلهام آيت الحاج

أثار ما يُعرف بـ"نظام الطيبات"، المرتبط باسم الطبيب الراحل ضياء العوضي، جدلاً واسعاً خلال الأشهر الأخيرة بعدما انتشر بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يروّج له أتباعه كنظام غذائي قادر على "شفاء" أمراض مزمنة مثل السكري والسرطان والفشل الكلوي، بل ودفع البعض إلى التخلي الكامل عن العلاجات الطبية الموصوفة اعتماداً عليه حصرياً.

ماذا يقول النظام فعلياً؟

يقوم "نظام الطيبات" على تصنيف الأطعمة إلى فئتين متضادتين: أطعمة "طيبة" مفيدة تدعم الشفاء، وأخرى "خبيثة" أو "سامة" يجب تجنبها كلياً، مع دعوة صريحة في بعض الحالات إلى التوقف عن الأدوية الموصوفة، بما فيها الأنسولين لمرضى السكري، باعتبار المرض "وهماً" يمكن تجاوزه بالغذاء وحده.

غياب تام للأدلة العلمية

بحسب تحقيق أجراه استشاري مصري بالتعاون مع عدد من الأطباء، فقد بحثوا عن أي حالة موثقة علمياً تثبت شفاء مريض بالسكري من النوع الأول أو السرطان أو الفشل الكلوي نتيجة اتباع هذا النظام، دون أن يعثروا على دليل واحد يدعم هذه الادعاءات، رغم ما روّج له مؤسس النظام من "نجاحه" في علاج مئات الحالات. والفارق الجوهري هنا أن الأنظمة الغذائية المعتمدة علمياً، مثل نظام البحر المتوسط، تستند إلى دراسات امتدت لعقود وشملت مئات الآلاف من الأشخاص، بينما يفتقر "نظام الطيبات" لأي منهجية بحثية أو تجربة سريرية منشورة يمكن تدقيقها.

لماذا إذن يشعر بعض المتبعين بتحسن حقيقي؟

هنا تكمن نقطة الالتباس الأكثر خطورة، إذ يمكن تفسير التحسن الذي يدّعيه بعض المتبعين علمياً دون الحاجة لافتراض أن النظام "يشفي" أي مرض:

تحسن غير مقصود في نمط التغذية: يتضمن النظام فعلياً بعض الممارسات المفيدة الموجودة أصلاً في أنظمة غذائية معتمدة علمياً، مثل تقليل الدقيق الأبيض، والاعتماد على الحبوب الكاملة الغنية بالألياف، والامتناع عن المشروبات السكرية. هذه التغييرات، حتى لو جاءت ضمن سياق غير علمي، قد تُحسّن فعلاً مؤشرات سكر الدم لدى مريض السكري من النوع الثاني تحديداً، لا لأن النظام "معجزة"، بل لأنه يقلل السعرات والسكريات المكررة بطريقة تتقاطع جزئياً مع التوصيات الطبية القياسية.

الصيام المتقطع: بعض عناصر النظام تتضمن صياماً متقطعاً، وهو أسلوب له فوائد مثبتة علمياً على حساسية الأنسولين إذا تم تحت إشراف طبي، ما قد يُترجَم لدى بعض المتبعين كتحسن ملموس، دون أن يعني ذلك "شفاءً" من المرض نفسه.

الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias): من يقتنع مسبقاً بفعالية نظام معين يميل لتذكر وتضخيم أي تحسن طفيف، وتجاهل أو تبرير أي تراجع أو تدهور في حالته الصحية.

تحيز الناجين (Survivorship Bias): تنتشر شهادات من "نجحوا" أو شعروا بتحسن مؤقت عبر مقاطع الفيديو والمنشورات، بينما تغيب تماماً قصص من ساءت حالتهم أو توفوا نتيجة التوقف عن العلاج، لأن هؤلاء غالباً لا يُوثّقون تجربتهم علناً.

التذبذب الطبيعي للمرض: أمراض مثل السكري من النوع الثاني قد تشهد فترات تحسن طبيعية مرتبطة بعوامل أخرى (فقدان وزن، نشاط بدني، توتر أقل)، يسهل نسبها خطأً للنظام الغذائي وحده.

حين يتحول الوهم إلى مأساة

الخطر الأكبر يكمن تحديداً في حالات السكري من النوع الأول والسرطان، حيث لا يوجد أي بديل غذائي عن العلاج الطبي القائم على الأدلة. وقد وثّقت تقارير إعلامية حالة مأساوية لرجل أُقنع بالتوقف عن الأنسولين واتباع "نظام الطيبات" باعتبار مرضه "وهماً كاملاً"، لينتهي به الأمر بعد خمسة أيام فقط بدخوله في غيبوبة سكرية، ووفاته في اليوم التالي.

ويخلص الأطباء المتخصصون إلى أن أي نظام غذائي يدعو صراحة إلى ترك الأدوية الموصوفة دون إشراف طبي ودون دليل علمي موثق لا يمكن اعتباره "علاجاً بديلاً" بأي حال، بل يشكل تهديداً مباشراً لحياة المريض. 

وبينما قد تحمل بعض توصياته الغذائية (كتقليل السكريات المكررة والاعتماد على الألياف) فائدة حقيقية ومتوافقة مع التغذية العلمية، فإن اختزال أمراض معقدة كالسرطان والسكري في ثنائية "مسموح وممنوع" يتجاهل تماماً الأساس البيولوجي لهذه الأمراض، ويُعرّض حياة من يثقون به لخطر حقيقي وموثق.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة