القائمة الرئيسية
أخبارنا

لماذا ننسى معظم طفولتنا؟ العلم يفسر ظاهرة "فقدان الذاكرة الطفولي"

لماذا ننسى معظم طفولتنا؟ العلم يفسر ظاهرة "فقدان الذاكرة الطفولي"

قد يعيش الإنسان آلاف الأيام قبل بلوغه سن العاشرة، ومع ذلك لا يحتفظ من تلك السنوات إلا بمشاهد قليلة ومتناثرة. قد يتذكر باب منزل قديم أو لعبة بعينها، لكنه يعجز عن استعادة تفاصيل كاملة لما حدث، وهي ظاهرة معروفة علمياً باسم "فقدان الذاكرة الطفولي".

ولا يعني ذلك أن الطفل لم يصنع ذكريات في سنواته الأولى، بل إن بعض هذه الذكريات قد تكون متاحة له في وقتها ثم تصبح أصعب في الاسترجاع مع التقدم في العمر.

ويضع باحثون الحد التقليدي لهذه الظاهرة حول سن الثالثة والنصف، إذ تكون ذكريات البالغين عن المرحلة السابقة لذلك قليلة وغير مستقرة، قبل أن تبدأ الذكريات الذاتية في الظهور بصورة أوضح تدريجياً.

وأظهرت دراسات أن الأطفال والمراهقين يستطيعون أحياناً استعادة أحداث وقعت قبل سن الثالثة أكثر مما يستطيع البالغون، ما يشير إلى أن بعض الذكريات المبكرة قد لا تختفي تماماً، بل تصبح أقل سهولة في الوصول إليها مع مرور السنوات.

ويرتبط ذلك بتطور عدد من القدرات العقلية، مثل اللغة والإحساس بالذات والقدرة على تنظيم الأحداث في قصة شخصية. فالطفل الصغير قد يسجل تجربة ما، لكنه لا يمتلك بعد الأدوات اللغوية والمعرفية التي تساعده لاحقاً على استعادتها بالشكل نفسه.

كما أن الذاكرة لا تعمل مثل تسجيل فيديو ثابت، بل تعيد بناء الماضي كلما حاول الإنسان استدعاءه، وتدمج في ذلك المشاعر والتفاصيل والمعلومات التي اكتسبها لاحقاً.

ومن أسباب ضياع أجزاء كبيرة من ذكريات الطفولة أيضاً تشابه الأيام. فالزيارات الأسبوعية والمواقف المدرسية والألعاب المتكررة قد تندمج في صورة عامة واحدة، بينما تبقى الأحداث المختلفة أو المشحونة بالعاطفة أكثر قدرة على الصمود في الذاكرة.

ولهذا يمكن أن يتذكر الشخص أول مرة ركب فيها دراجة أو موقفاً أخافه أو أضحك أفراد أسرته، بينما تختفي مئات الأيام العادية التي لم تحمل حدثاً مميزاً.

ويلعب الحديث العائلي دوراً مهماً في تثبيت الذاكرة، إذ تشير أبحاث إلى أن الأطفال الذين يناقش معهم آباؤهم تجارب سابقة بطريقة حساسة ومفتوحة يكونون أكثر قدرة على استعادة ذكريات محددة لاحقاً.

ويمكن للأسرة أن تساعد الطفل على تنظيم ذكرياته من خلال أسئلة بسيطة حول ما حدث، ومن كان موجوداً، وكيف شعر، وما الذي جرى بعد ذلك، بدلاً من الاكتفاء بعرض الصور أو سرد القصة عنه.

ولا يمكن ضمان بقاء كل لحظة من الطفولة في الذاكرة، كما أن هذا ليس ضرورياً. فالتجارب المبكرة قد تترك أثراً في الشخصية والمشاعر حتى عندما تختفي تفاصيلها، بينما تظل أفضل وسيلة لدعم الذاكرة هي منح الطفل تجارب حقيقية ومميزة ومساعدته على روايتها وفهمها.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.