لطالما ارتبطت المكسرات في أذهان كثيرين بارتفاع السعرات الحرارية وزيادة الوزن، ما يدفع البعض إلى تجنبها عند اتباع نظام غذائي صحي. غير أن أبحاثاً غذائية حديثة بدأت تغير هذه النظرة، بعدما أظهرت أن بعض أنواع المكسرات قد تقدم فوائد تتجاوز توفير الطاقة، لتشمل صحة القلب والدماغ والجهاز الهضمي، وحتى الشعر، شريطة الانتباه إلى الكميات المستهلكة وطريقة إدراجها ضمن النظام الغذائي اليومي.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، الخميس 8 أكتوبر 2026، فإن خبيرة التغذية غابرييلا بيكوك، التي سبق أن قدمت استشارات غذائية لشخصيات من العائلة المالكة البريطانية، لفتت الانتباه إلى القيمة الغذائية المرتفعة للمكسرات البرازيلية، باعتبارها من أغنى المصادر الطبيعية لمعدن السيلينيوم، الذي يساهم في حماية الخلايا من الإجهاد التأكسدي، ويدعم وظائف الغدة الدرقية والجهاز المناعي، ويلعب دوراً في الحفاظ على صحة الشعر والأظافر.
لكن المفارقة أن الفائدة الغذائية المرتفعة للمكسرات البرازيلية قد تتحول إلى مشكلة عند الإفراط في تناولها، إذ تحتوي الحبة الواحدة على كمية كبيرة من السيلينيوم، قد تكفي لتغطية الاحتياج اليومي لدى معظم البالغين. ويحذر المختصون من أن زيادة هذا المعدن بصورة مستمرة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، بينها تساقط الشعر وهشاشة الأظافر واضطرابات الجهاز الهضمي، ولذلك لا ينبغي التعامل مع هذه المكسرات باعتبارها علاجاً لتساقط الشعر أو تناول كميات كبيرة منها بحثاً عن نتائج أسرع.
وفي المقابل، يحظى الجوز باهتمام متزايد في الأبحاث المتعلقة بصحة الدماغ، بفضل احتوائه على أحماض أوميغا 3 الدهنية النباتية ومركبات البوليفينول المضادة للأكسدة. وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة ريدينغ البريطانية سنة 2025، وشملت 32 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً، أن تناول 50 غراماً من الجوز ضمن وجبة الإفطار ارتبط بتحسن سرعة الاستجابة في اختبارات معرفية خلال اليوم، إلى جانب أداء أفضل في بعض اختبارات الذاكرة بعد عدة ساعات، مقارنة بوجبة مماثلة في السعرات الحرارية لا تحتوي على المكسرات.
ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها لا تعني أن تناول الجوز يمنع الإصابة بالخرف أو يعزز الذاكرة بصورة مضمونة، نظراً إلى محدودية حجم الدراسة وقصر فترة المتابعة. لكنها تضيف مؤشرات إلى أبحاث أوسع تبحث في دور الدهون الصحية والمركبات النباتية الموجودة في المكسرات في دعم الوظائف العصبية، خصوصاً عندما تكون جزءاً من نظام غذائي متوازن.
أما اللوز، فيتميز بمحتواه من الألياف الغذائية وفيتامين E والمغنيسيوم، حيث توفر حصة تزن نحو 30 غراماً قرابة أربعة غرامات من الألياف، إلى جانب ما يقارب سبعة مليغرامات من فيتامين E. وتساعد الألياف على دعم حركة الأمعاء وتغذية بعض البكتيريا المفيدة في الجهاز الهضمي، كما تساهم في تعزيز الشعور بالشبع. ويُعد فيتامين E من مضادات الأكسدة التي تساعد على حماية الخلايا، بينما يوفر اللوز مزيجاً من البروتين والدهون غير المشبعة التي تجعله خياراً مناسباً للوجبات الخفيفة.
وتبرز مكسرات البيكان بدورها ضمن الأنواع التي يدرس الباحثون علاقتها بصحة القلب، إذ أشارت مراجعات علمية إلى أن تناولها بانتظام قد يساهم في خفض مستويات الكوليسترول الضار لدى بعض الأشخاص، خصوصاً عندما تحل محل أطعمة غنية بالدهون المشبعة. ويعود ذلك إلى احتوائها على دهون غير مشبعة وألياف ومركبات نباتية، غير أن الاستفادة من هذه الخصائص لا تتطلب تناول كميات كبيرة، بل ترتبط بطبيعة النظام الغذائي ككل.
ومن أكثر الأفكار الشائعة التي أعادت الأبحاث النظر فيها الاعتقاد بأن المكسرات تؤدي بالضرورة إلى زيادة الوزن بسبب غناها بالدهون. فقد أظهرت دراسات أن الجسم لا يمتص جميع السعرات الحرارية الموجودة في بعض المكسرات الكاملة بالكفاءة نفسها، لأن جزءاً من الدهون يظل محصوراً داخل جدران الخلايا النباتية. كما يساعد اجتماع البروتين والألياف والدهون الصحية على إطالة الشعور بالشبع، ما قد يقلل الرغبة في تناول وجبات إضافية، خاصة إذا استُخدمت المكسرات بديلاً عن المقرمشات والحلويات مرتفعة السكر.
ولا تنطبق الفوائد نفسها بالضرورة على جميع المنتجات المصنوعة من المكسرات، إذ تحتوي بعض أنواع زبدة اللوز والفستق والبندق التجارية على سكريات مضافة أو زيوت نباتية أو كميات مرتفعة من الملح. وينصح خبراء التغذية باختيار المنتجات التي تتكون أساساً من المكسرات دون إضافات غير ضرورية، مع الانتباه إلى حجم الحصة، لأن سهولة تناول الزبدة والمكسرات المطحونة قد تجعل استهلاك كميات كبيرة منها أمراً غير ملحوظ.
وبينما يتنافس الجوز واللوز والبيكان والمكسرات البرازيلية في توفير عناصر غذائية مختلفة، لا توجد أدلة كافية تسمح باعتبار نوع واحد الأفضل لجميع الأشخاص. ويؤكد المختصون أن تناول حصة معتدلة تقارب 30 غراماً يومياً من المكسرات غير المملحة، مع التنويع بينها ومراعاة الحساسية الغذائية، يمكن أن يكون إضافة مفيدة للنظام الغذائي. وتبقى القيمة الحقيقية لهذه الأطعمة مرتبطة بما تحل محله في الوجبات اليومية، إذ إن استبدال المنتجات المصنعة الغنية بالسكر والدهون غير الصحية بالمكسرات قد يكون أكثر فائدة من إضافتها بكميات كبيرة إلى نظام غذائي غير متوازن.
أي المكسرات أكثر فائدة للصحة؟ خبراء تغذية يكشفون ما يحدث عند تناولها يومياً
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.