لماذا لا يغادر العمل رأسك بعد نهاية الدوام؟

لماذا لا يغادر العمل رأسك بعد نهاية الدوام؟

أخبارنا المغربية - وكالات

تغلق الحاسوب، وتغادر المكتب، وترد على آخر رسالة بعبارة قصيرة مثل: "نلتقي غدًا"، لكن يوم العمل لا ينتهي دائمًا عند هذا الحد. فقد تبتعد عن مكان العمل جسديًا، بينما يظل عقلك عالقًا في الرسائل والاجتماعات والمهام المؤجلة، وكأن الدوام انتقل معك إلى السيارة أو مائدة العشاء أو لحظة ما قبل النوم.

ويشرح علماء النفس هذه الحالة من خلال ما يُعرف بـ"تأثير تتريس"، وهي ظاهرة سُمّيت نسبة إلى لعبة تتريس الشهيرة. فبعد ساعات طويلة من ترتيب القطع المتساقطة داخل اللعبة، لاحظ بعض اللاعبين أنهم بدأوا يرون العالم بالطريقة نفسها، حيث تتحول الأشياء من حولهم إلى أشكال وفراغات وقطع تحتاج إلى ترتيب، حتى بعد إغلاق اللعبة.

ويحدث هذا التأثير عندما يكرر الإنسان مهمة معينة لفترة طويلة، فيبدأ الدماغ في إعادة تشكيل طريقة التفكير والإدراك وفقًا لما اعتاد عليه. ويرتبط ذلك بما يُعرف بالمرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على التكيف وبناء مسارات جديدة استجابة لما نكرره يوميًا. لذلك لا يبقى العمل مجرد نشاط خارجي، بل قد يتحول مع الوقت إلى نمط ذهني يرافق صاحبه خارج المكتب.

ويشبه العمل الحديث لعبة تتريس أكثر مما يبدو للوهلة الأولى، فهناك رسائل تتوالى بلا توقف، واجتماعات تتكدس فوق بعضها، ومهام تبحث عن مكان صغير بين موعد وآخر، وتنبيهات تعيد الشخص إلى وضع الاستجابة في كل لحظة. ومع كثرة هذا النمط، قد يبدأ العقل في التعامل مع الحياة كلها كقائمة مهام مفتوحة، حتى في أوقات الراحة.

وتظهر آثار هذه الظاهرة في تفاصيل يومية بسيطة، مثل مراجعة محادثة مع المدير أثناء الاستحمام، أو سماع إشعار وهمي، أو فتح الهاتف "لثوانٍ" ثم العودة ذهنيًا إلى أجواء العمل. وفي دراسة مبكرة عن الظاهرة، طلب الباحث روبرت ستيكغولد وزملاؤه من 27 شخصًا لعب تتريس لعدة ساعات على مدى ثلاثة أيام، قبل أن يلاحظوا أن بعض المشاركين رأوا صور اللعبة وأشكالها عند بداية النوم.

ويكشف هذا الأمر جانبًا لافتًا من عمل الدماغ، فهو يتدرب أحيانًا حتى دون طلب مباشر منا. فما نكرره طويلًا يتحول إلى لغة داخلية، فيرى المحاسب الأرقام، والمصمم المساحات، والصحفي العناوين، والموظف المحاصر بالتنبيهات الحياة كأنها سلسلة مهام لا تنتهي. لذلك لا يكون الإرهاق بعد العمل جسديًا فقط، بل قد يكون ذهنيًا أيضًا عندما يواصل الدماغ العمل رغم انتهاء الدوام.

ويمكن الحد من هذا التأثير عبر طقوس صغيرة تساعد الدماغ على الانتقال من وضع العمل إلى وضع الراحة، مثل كتابة ما تم إنجازه وما يمكن تأجيله إلى الغد، أو إبعاد الهاتف قبل النوم، أو ممارسة المشي والقراءة والرياضة أو أي نشاط بعيد عن الإنتاجية. فالدماغ لا يتوقف بزر، لكنه يستطيع أن يتعلم تدريجيًا كيف يغادر العمل كما غادره الجسد.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة