الـ"كان" يكشف كل المستور.. المغرب بحاجة إلى جبهة اعلامية قوية للترافع عن القضايا الوطنية والتصدي للمؤامرات الخارجية
أخبارنا المغربية- عبد الاله بوسحابة
أثبتت سلسلة من الأحداث المتتالية أن الإعلام أصبح اليوم ساحة صراع استراتيجية بامتياز، وأن خسارة المغرب للقب بطولة أمم إفريقيا لم تكن مجرد حدث رياضي، بل كانت مؤشرًا صارخًا على هشاشة أدوات الدولة في إدارة قضاياها الوطنية أمام هجمات إعلامية خارجية منظمة.
ما حصل كشف عن واقع مؤلم، مفاده أن المغرب لا يزال غالبًا في موقع رد الفعل، في حين خصومه يستثمرون الإعلام بشكل احترافي، مدعومين بموارد مالية هائلة وبتخطيط منهجي يهدف إلى التأثير في الرأي العام الدولي، بهدف تشويه صورة المملكة في عدة قطاعات حساسة كالسياسة والاقتصاد والرياضة..
الحملة الإعلامية التي واجهها ويواجهها المغرب منذ سنوات، لم تأتِ من فراغ؛ فهي حرب محكمة شنتها جارة السوء الجزائر، مدعومة بأموال النفط والغاز، جندت لها صحافيين ووسطاء وأصواتًا داخل وخارج المنطقة، لتشكيل منظومة إعلامية متكاملة، تعمل على توجيه الرسائل وتحريك التأثيرات النفسية على الرأي العام. هذه المعركة الإعلامية أكدت حقيقة واحدة، هي أن الخصوم يعرفون قيمة الإعلام كأداة قوة استراتيجية، و يستثمرون فيه بشكل منهجي ومدروس، بينما يظل الإعلام الوطني مشتتًا، في مواقع فردية أو ردود فعل عشوائية، غير قادر على تشكيل سردية قوية وموحدة.
والمؤكد أن الاعتماد على المؤثرين المحليين أو الأجانب لم يكن أكثر من تجربة أثبتت محدوديتها، وربما كانت مكلفة وغير مجدية. ففي مناسبات رياضية سابقة، تم استدعاؤهم وتوفير كل الظروف المادية واللوجستية لهم، من إقامة فاخرة إلى تعويضات سخية، ومع ذلك، حين واجه المغرب هجومًا إعلاميًا حقيقيًا، اختفوا جميعًا. هذا الواقع يوضح درسًا بديهيًا: حماية الوطن لا تتحقق عبر مصالح شخصية أو حسابات آنية، بل عبر إعلاميين ملتزمين بقضايا بلدهم، لديهم القدرة المهنية والإحساس الوطني بالمسؤولية.
المطلوب اليوم هو بناء استراتيجية إعلامية متكاملة، ترتكز على جبهة داخلية قوية ومحترفة، تمتلك أدوات التنسيق والقدرة على الدفاع عن السرديات الوطنية بشكل مؤثر وواضح. هذه الجبهة يجب أن تكون قادرة على تجاوز الردود العشوائية، لتصبح قوة فعلية قادرة على مواجهة أي تشويش خارجي، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، مع ضمان تنسيق الجهود بين الإعلام الرسمي، المجتمع المدني، والمنصات الرقمية الوطنية، لإيصال رسائل واضحة، دقيقة، وموحدة.
الدروس المستفادة من كل هذه التجارب الدولية واضحة: الدول المنافسة لا تترك مجالًا للصدفة في الإعلام، فهي تنشئ قنوات ومنصات وبرامج متخصصة تعمل على ترويج مصالحها وسردياتها بشكل منهجي ومستمر. أما المغرب فلا يزال يعاني من التشتت، وغالبًا ما يكون في موقف دفاعي جزئي، مما يتيح للخصوم مساحات واسعة لتوجيه التأثيرات الخارجية واستغلال نقاط الضعف.
الخلاصة النهائية لا تقبل التأجيل: المغرب أمام تحدٍ استراتيجي حقيقي يتجاوز الرياضة، ويصل إلى جوهر حماية مصالحه ومكانته الدولية. بناء جبهة إعلامية وطنية قوية تتحدث أهم لغات العالم ليس رفاهية، بل ضرورة حتمية، لأنها ستحدد قدرة البلاد على مواجهة الحملات الخارجية، الدفاع عن سردياتها الوطنية، وتعزيز صورتها في مختلف المحافل. هذه الجبهة هي ضمانة لاستمرارية التأثير الوطني، واستثمار حقيقي للموارد في معركة حيوية لن تكون أقل شراسة من أي صراع آخر يخوضه المغرب على الساحة الدولية.
الزمن ليس زمن الانتظار أو التجارب الفردية، بل زمن التحرك المنظم، وبناء قدرات وطنية إعلامية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وجعل الإعلام المغربي قوة حقيقية تحمي مصالح المملكة وتعكس صورتها الحقيقية أمام العالم.
