الحبشاوي: “كان 2025” لم يكن بطولة بل إعلان ميلاد مغرب يقلق الحساد ويكشف حقيقتهم الخبيثة للعالم
بقلم: محمد الحبشاوي
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تمر كحدث عابر، بل تشبه خطًا فاصلاً بين زمنين؛ ما قبلها ليس كما بعدها. وما عاشه المغرب مع “كان 2025” كان من هذا النوع من اللحظات الثقيلة بالمعنى، العميقة في الدلالة، تلك التي لا تُقاس بعدد المباريات ولا بعدد الجماهير في المدرجات، بل بما كشفته للعالم عن بلد كان يشتغل في صمت، ثم قرر أن يتكلم بلغة الإنجاز.
فجأة، وجد كثيرون أنفسهم أمام مغرب آخر؛ ليس ذلك البلد الذي يُنظر إليه فقط من زاوية الجغرافيا أو التاريخ، بل دولة تمشي بخطى ثابتة نحو موقع متقدم، تعرض بنيات تحتية لا تشبه الصورة النمطية التي حاول البعض إلصاقها بها لسنوات. مطارات تنبض بالحركة والانسيابية، قطارات تشق الأرض بثقة، طرق تمتد كالشرايين، فنادق تستقبل العالم بوجه احترافي، وملاعب لا تقول فقط: “نحن جاهزون”، بل تهمس برسالة أوضح: المغرب لم يعد ينتظر الاعتراف، بل يفرضه.
وسط هذا المشهد، كان هناك عنصر صامت لكنه حاسم: الأمن. ذلك الإحساس العميق بأن الأمور تحت السيطرة، وأن الحشود تتحرك في نظام، وأن الفضاء العام ليس ساحة فوضى، بل مجال تدبير دقيق، استباقي وهادئ. في منطقة تشتعل فيها التوترات من كل جانب، بدا المغرب كجزيرة توازن، كاستثناء يزداد وضوحًا كلما عمّ الاضطراب حوله. وفي عالم اليوم، هذا ليس تفصيلاً، بل رأس مال استراتيجي يجذب الاستثمار كما يجذب الثقة.
لكن النجاح، حين يكون بهذا الوضوح، لا يمر دون أن يوقظ شيئًا في نفوس الآخرين. هناك من شاهد الصورة بعين الإعجاب، وهناك من قرأها بعين القلق، بل بعين الغيرة السياسية الصامتة. لأن صعود المغرب بهذا الشكل يعني، ببساطة، إعادة ترتيب غير معلنة لموازين التأثير في المنطقة. ويعني أن هناك فاعلًا جديدًا يقترب من مراكز القرار، ينسج شراكاته بثقة، ويمد جذوره في عمقه الإفريقي دون ضجيج، لكن بثبات يزعج من اعتاد احتكار الأدوار.
وهنا تحضر دلالة عبارتين بارزتين من خطابات الملوك المغاربة. أولاهما للملك محمد السادس حين قال: “اللهم كثر حسادنا”، وهي جملة تختزل فلسفة كاملة في فهم معنى النجاح؛ فحين يكثر الحسد، يكون ذلك دليلًا على صحة المسار، وعلى أن الخطوات لم تعد تمر دون أثر. الحسد هنا لا يُقرأ كضعف، بل كعلامة على قوة تُقلق، وحضور يربك حسابات اعتادت رؤية المغرب في موقع أقل مما هو عليه اليوم.
أما الثانية، فهي مقولة الملك الراحل الحسن الثاني: “ليعلم الناس مع من حشرنا الله في الجوار”، لتذكير الجميع بأن المغرب، بموقعه واستراتيجيته، ليس مجرد لاعب في الحلبة الإقليمية، بل قوة محورية لا يمكن تجاهلها، وأن حضوره يفرض الاحترام ويكشف الحقائق الخفية لأولئك الذين اعتادوا الاستخفاف.
ومن هنا تبدأ قصة موازية لقصة الملاعب والاحتفالات؛ قصة تدور في الظل، على الشاشات، وفي المنصات، وفي التقارير الموجَّهة، وفي الجيوش غير المرئية من الحسابات الوهمية. حملات تشكيك، تضخيم للأخطاء الصغيرة، صمت متعمد عن النجاحات الكبيرة، ومحاولات لزرع صورة مشوشة عن بلد اختار أن يتقدم. لم تعد المعركة على الأرض فقط، بل على الصورة، على السرد، وعلى ما يصدقه الناس وهم على بُعد آلاف الكيلومترات.
الأخطر أن بعض هذه الأساليب يراهن على اللعب على التناقضات، وإثارة الحساسيات الاجتماعية، واستغلال الملفات الإنسانية بطريقة انتقائية، لا بحثًا عن حلول، بل عن تشويه. الهدف ليس النقاش، بل الإرباك؛ ليس النقد، بل النيل من الثقة، وضرب تلك الصورة التي بدأت تتشكل عن المغرب كفضاء استقرار في زمن القلق، وكشريك موثوق في عالم تتآكل فيه الثقة بسرعة.
ومع ذلك، فإن ما حدث خلال هذه المرحلة كشف حقيقة أخرى لا تقل أهمية: المغرب لم يعد هشًا كما يتمنى خصومه، ولا معزولًا كما يروج البعض. هو بلد يراكم، يتعلم، يصحح، ويتقدم. بلد يفهم أن القوة اليوم ليست فقط في الاقتصاد أو الجيش، بل أيضًا في القدرة على إدارة صورته، وامتلاك روايته، وأن يحكي قصته بنفسه قبل أن يحكيها عنه الآخرون.
“كان 2025” لم يكن مجرد بطولة انتهت بتتويج فريق وعودة الجماهير إلى بيوتها، بل كان رسالة مفتوحة إلى العالم، عنوانها أن المغرب دخل مرحلة جديدة من تاريخه؛ مرحلة لم يعد فيها مجرد متلقٍ للمعادلات، بل مساهمًا في صياغتها. وهذه المكانة، بقدر ما تجلب الاحترام، تجلب أيضًا الاستهداف. لذلك، لم يعد التحدي فقط في بناء الطرق والملاعب، بل في حماية المعنى الذي تحمله، وفي الدفاع عن صورة بلد اختار أن يصعد… لأن الصعود، كما تقول الحكمة، لا يكثر حوله إلا الحُسّاد.
