أخبارنا المغربية
العيرج ابراهيم :
إذا كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد أنهت مهمتها وخلصت إلى ضرورة جبر الضرر في شقيه الفردي والجماعي ، حيث عوض من عوض ، وأقصي البعض عن قصد أو بدونه ولازال ينتظر.
وإذا كان أمر القضية الوطنية حين وصل الصراع إلى انبثاق المخرج الذي اعتبرته الدول الوازنة في مجلس الأمن مخرجا واقعيا ، قد أسفر عن قبول الأطراف بفكرة تبادل الزيارات بين الأقارب في الصحراء المغربية مع ذويهم الذين وجدوا أنفسهم في خضم هذا المشكل المفتعل محتجزين بتندوف ،لتقلع الطائرات وتنطلق السيارات من هنا وهناك ، حيث تعانق الأحبة وأدرفت الدموع، الزيارات التي صاحبتها متابعة و تغطية إعلامية أرخت للحدث.
و رغم عدم إثارة المشكل ذاته بالنسبة لمواطني سبتة ومليلية المحتلتين ، الذين يعيشون وضعا اساثنائيا -وإن كان شاذا- يسمح لهم على الأقل بتبادل الزيارات و صلة أرحامهم، بسكان المدن المتاخمة للثغرين بمجرد الادلاء ببطاقة التعريف الوطنية .
فإن الملاحظ أن الكل ابتلع لسانه بخصوص وضعية ساكنة الحدود في الجنوب الشرقي للمملكة و’’ الجنوب الغربي للجزائر’’ هذا الشريط الذي تقطنه قبائل كثيرة ، وجدت نفسها موزعة لأول مرة في التاريخ بعد 1962 نذكر من بينها على الخصوص : قبيلة ذوي منيع وأولاد جرير ، لعمور ، الشعانبة ... ، فهؤلاء منذ أن وجدوا وعاشوا فوق هذه الأرض الطيبة لم يفرق بيتهم لا العثمانيون ولا العوامل الطبيعية ...إلى أن نالت الجزائر استقلالها كوريثة لفرنسا الاستعمارية. فمنذ ذلك التاريخ انتصبت الأسلاك الشائكة وزرعت الألغام وشيدت أبراج المراقبة ووظفت جيوش جرارة من المخبرين والوشاة والعيون ، وشددت الحراسة على السكان في حركاتهم و سكناتهم من كلا الجانبين : فكم انتهكت حقوق ، و سجن أناس ، وضرب وعذب آخرون بسبب وشاية كاذبة أو اصطناع قصة خيالية : فمذياع شخص أضحى لاسلكيا ، وخيمة أعرابي في الصحراء صارت مقرا لاجتماعات مشبوهة ، وتتواصل مقامات بديع الزمان المنيعي ليحدث – بدون سجع ولا قافية – عن ذلك الأب الذي مات وحيدا في بشار ، أوالعبادلة ، أو القنادسة ، وشاهدنا الأبناء يقيمون العزاء بالرشيدية أو أرفود أو بوذنيب ... والعكس صحيح، إنه حقا وضع مأساوي تعيشه أسر هذه القبائل التي جردت من كل شيء،وضع يجعل كل من يملك بين جوانحه قلب إنسان حقيقي ينفطر لهول ما يسمع، و يقف كالمصعوق حين يعلم أن الأخ لم ير أخته، ولا الأب ابنه منذ 1962 ، إلى غاية1989 حين فتحت الحدود ليتقاطر الناس على ذويهم ، بل أكثر من ذلك قد يصاب المرء بما يشبه الصعقة الكهربائية عندما يحدثه محدث أنه حين ذهب إلى نقطة الحدود لاستقبال قريب لم يره إلا في صور قديمة ، فيشرع أمام رجال الجمارك في تفرس الوجوه والسؤال بصوت عالٍ ومسموع : أين فلان ؟ !أنا أخ فلان!! أو أب فلانة! أرجوكم حين يصل فلان اخبروه أني أخوه أو أبوه أو ابن عمه ...!!
و في هذا الصدد تتذكر ساكنة هذه الربوع و بمرارة كيف أن أسرا كانت غنية بقطعانها من الإبل والأغنام ، أضحت بين ليلة وضحاها معدمة وفقيرة،لمجرد أن قطعانها اجتازت في غفلة منها الحدود الوهمية المصطنعة التي لم تصبح في عرف ساكنة المنطقة "حدودا "إلا بعد 1962،كما لم تعرف أي تحرك للديبلوماسية المغربية التي التزمت الصمت وكأن الأمر لا يعني مواطنين مغاربة بما في ذلك من مساس بسيادة الدولة،ولا تعويضا من طرف السلطات الإقليمية التي وقفت موقف المتفرج.
إن السكان المتحدرين من الصحراء الشرقية والمستقرين أساسا بأقاليم الرشيدية و فجيج و غيرها من المدن المغربية يطالبون السلطات بتصحيح ما لم تنتبه إليه هيئة الإنصاف والمصالحة التي و أن كانت محكومة بأجندة حقوقية ذات طابع سياسي ، فإن وضعية المتحدرين من الصحراء الشرقية المغتصبة تبقى أجندة وطنية ذات طابع جيوسياسي .
فهل بإمكان إعادة الدفء للعلاقات المغربية الجزائرية الجارية أطوارها في الأيام الأخيرة أن يعالج هذا الوضع الشاذ، الذي تسبب في تشتيت أسر و ضياع حقوق و ممتلكات، في تناف تام مع كل المواثيق و الأعراف الدولية و الإتسانية ؟
سؤال ننتطر أن تجيب عنه المستجدات في القريب من الأيام من خلال اللقاءات التشاورية الجارية أطوارها بين وفدي البلدين الجارين لطي صفحة الماضي،و الدفع في تقاربهما، و حرية تنقل أبناء الشمال الإفريقي بحرية بين بلدانه ،و بعث الروح في الاتحاد المغاربي ليشكل قوة لتحقيق اندماج اقتصادي بين كل مكوناته.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.