في مواجهة النقد العدمي: قراءة متوازنة لحصيلة حكومة أخنوش

في مواجهة النقد العدمي: قراءة متوازنة لحصيلة حكومة أخنوش

أخبارنا المغربية- الرباط

في لحظة سياسية يطغى عليها ارتفاع حجم الانتظارات، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يواجه الرأي العام والمؤسسة التشريعية بلغة الأرقام لا بالشعارات، حين قدم حصيلة عمل حكومته أمام البرلمان بغرفتيه يوم الأربعاء الماضي، بموجب الفصل 101 من الدستور، في تمرين دستوري لم يكن شكليا، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمنسوب الجرأة السياسية، وقدرة الفاعل الحكومي على مساءلة ذاته قبل أن يُساءَل من طرف الآخرين.

القراءة الموضوعية لهذا التمرين تكشف أولا أن الحكومة اشتغلت في سياق استثنائي بكل المقاييس. فمنذ تنصيبها، وجدت نفسها أمام توالي أزمات ثقيلة: تداعيات جائحة عالمية، سنوات جفاف متكررة، اضطرابات دولية أثرت على أسعار الطاقة والمواد الأساسية. 

في مثل هذه الظروف، لا يقاس الأداء الحكومي بمنطق الوعود المجردة، بل بمدى القدرة على الحفاظ على التوازنات الأساسية للدولة وضمان حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ضمن هذا الإطار، قدم أخنوش معطيات تفيد بأن حكومته لم تكتف بتدبير الأزمة، بل حاولت تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء عدد من السياسات العمومية. فإصلاح منظومة الاستثمار، وإطلاق ورش الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، كلها أوراش لم تكن سهلة التنفيذ، لا من حيث الكلفة المالية ولا من حيث التعقيد المؤسساتي. ومع ذلك، فإن تقدمها بشكل ملموس يعكس وجود إرادة سياسية واضحة في الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الإصلاح الهيكلي.

الانتقادات التي وجهت للحكومة، خاصة من طرف بعض أصوات المعارضة، تبقى جزءا طبيعيا من الحياة الديمقراطية، بل إنها ضرورية لضمان التوازن. 

غير أن الإشكال يبرز حين يتحول هذا النقد إلى خطاب عدمي يتجاهل السياق ويختزل كل الجهود في صورة سوداوية مطلقة. فحين يتم تجاهل نسب تعميم التغطية الصحية التي بلغت مستويات متقدمة، أو التقليل من أثر البرامج الاجتماعية المباشرة، فإننا نكون أمام قراءة انتقائية لا تخدم النقاش العمومي بقدر ما تؤججه.

لا يعني الدفاع عن أخنوش وحكومته الادعاء بأن الحصيلة خالية من النواقص. فبعض الإصلاحات ما تزال في طور البناء، وهو أمر يعترف به حتى الخطاب الحكومي نفسه. لكن الفرق الجوهري يكمن في أن هذه الحكومة اختارت المكاشفة بدل الاختباء، وقدمت معطيات قابلة للنقاش بدل الاكتفاء بخطاب إنشائي فضفاض.

الأهم من ذلك، أن هذا التمرين أعاد الاعتبار لفكرة المسؤولية السياسية بمعناها النبيل: أن تقف الحكومة أمام ممثلي الأمة لتعرض ما أنجزت وما لم تنجزه، وتتحمل تبعات ذلك أمام الرأي العام. في زمن أصبحت فيه الشعبوية السياسية تميل إلى التبسيط المخل، يشكل هذا السلوك خطوة في اتجاه ترسيخ ثقافة سياسية أكثر نضجًا.

في المحصلة، يمكن القول إن دفاع أخنوش عن حصيلته لم يكن مجرد دفاع عن أرقام أو برامج، بل كان دفاعا عن خيار سياسي يقوم على التدرج في الإصلاح، وعلى الواقعية في مواجهة التحديات. قد يختلف معه البعض في التقدير أو في الأولويات، وهذا حق مشروع، لكن من الصعب إنكار أن حكومته اشتغلت في ظروف معقدة، وحققت نتائج تستحق أن تُناقش بجدية.

هكذا، يبقى الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في تقييم ما تحقق، بل في كيفية البناء عليه. لأن السياسة، في نهاية المطاف، ليست مباراة لتسجيل النقاط، بل مسار طويل يتطلب نفسا إصلاحيا مستمرا، وقدرة على التكيف مع المتغيرات دون فقدان البوصلة. وهذا بالضبط ما حاول أخنوش إبرازه في عرضه أمام البرلمان.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة