بعد زيارتي باريس وأبو ظبي.. "مزراري" يؤكد أن موريتانيا تتأهب لقرار مصيري بشأن ملف الصحراء المغربية
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
كما هو معلوم، زار الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في الأيام القليلة الماضية كلًا من فرنسا والإمارات العربية المتحدة، في تحرك دبلوماسي تزامن مع سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، يتسم بتصاعد التوتر في منطقة الساحل، وتفاقم الأوضاع الدامية في مالي، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب في الخليج، وما تفرضه من إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات في أكثر من منطقة.
وفي قرائته للمشهد، يرى الدكتور عبد الهادي مزراري، الكاتب الصحفي المتخصص في العلاقات الدولية، أن محطتي باريس وأبو ظبي لا يمكن قراءتهما كزيارتين عاديتين في الأجندة الدبلوماسية الموريتانية، بل إنهما تحملان في طياتهما مؤشرات مرتبطة بماضي موريتانيا السياسي وبمستقبل تموقعها الإقليمي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت نواكشوط بصدد التحضير لإعادة رسم سياستها الخارجية، أم أنها تواصل فقط نهجها التقليدي القائم على التحرك الروتيني والمشاورات المتكررة.
ومع محاولة تفكيك موقع موريتانيا كما تشكّل في الوعي الإقليمي والدولي، يلفت مزراري الانتباه إلى أن البلاد ظلت لعقود طويلة في موقع متقدم من الهامش السياسي، إذ ارتبط حضورها الإقليمي بنمط من الدبلوماسية الحذرة التي تقوم على مبدأ “درء المفسدة وجلب المصلحة”، دون انخراط مباشر في صراعات المحاور.
ومنذ إعلان تأسيسها في 28 نونبر 1960 عقب انسحاب فرنسا من المنطقة، يضيف ذات الخبير، وجدت موريتانيا نفسها في قلب محيط إقليمي مضطرب، جعلها الحلقة الأكثر تأثرًا بما يجري حولها، أكثر من كونها فاعلًا مؤثرًا فيه، خصوصًا في ظل الإرث الاستعماري الفرنسي الذي ترك بصماته على بنيتها السياسية والمؤسساتية، وما رافق ذلك من تدخلات خارجية وهزات داخلية متكررة.
إلى ذلك، يبرز مزراري أن الجغرافيا السياسية لعبت دورًا حاسمًا في رسم حدود الحركة الموريتانية، حيث ظلت البلاد تواجه إكراهات متعددة، من التوترات الحدودية مع السنغال، إلى الوضع الأمني غير المستقر في مالي، مرورًا بالضغوط الجيوسياسية المتواصلة من الجزائر، فضلًا عن ثقل ملف الصحراء المغربية الذي جعلها، وفق هذا التحليل، في قلب صراع إقليمي معقد بين الرباط والجزائر.
وعلى المستوى الإفريقي، يشير مزراري إلى أن موريتانيا، مثلها مثل عدد من الدول، لم تتمكن من ترسيخ حضور مؤثر في مسار تطور القارة، في ظل استمرار إشكالات الاستقرار السياسي، وتكرار ظاهرة الانقلابات، وما رافق ذلك من تعطيل لمسارات التنمية، فضلًا عن تحديات الفساد وضعف الاستفادة من الثروات الطاقية والمعدنية، التي تُوجَّه عائداتها في جزء كبير منها إلى الخارج، وفق هذا الطرح.
أما عربيًا، فيوضح ذات الخبير أن موريتانيا ظلت جزءًا من منظومة جامعة الدول العربية، متأثرة بتقلبات الصراع العربي الإسرائيلي، رغم بعدها الجغرافي عن منطقة الشرق الأوسط، حيث تبنت مواقف متحركة بين التطبيع والمقاطعة، في انسجام مع التحولات التي عرفها المحيط العربي على مدى عقود.
وفي هذا الإطار، وبالعودة إلى ملف الصحراء المغربية، يشدد مزراري على أن هذا الملف شكل أحد أكثر المحددات تأثيرًا في السياسة الخارجية الموريتانية، حيث تعاملت نواكشوط معه بمنطق “تاجر القافلة”، عبر محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف النزاع، وتفادي الانخراط المباشر في الاصطفافات الحادة.
ومنذ اندلاع الأزمة في منتصف السبعينيات، يضيف مزراري، تعرضت موريتانيا لهجمات مسلحة قادتها جبهة البوليساريو، كان أبرزها الهجوم على العاصمة نواكشوط سنة 1976، وهو الهجوم الذي شكل نقطة تحول في مسار المواجهة، خاصة بعد مقتل زعيم الجبهة المصطفى الوالي السيد خلال تلك المرحلة.
وتحت ضغط تلك التطورات، ومع تصاعد تأثير التوازنات الإقليمية، خصوصًا الدور الجزائري، اتجهت نواكشوط إلى الاعتراف بجبهة البوليساريو، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات مستقرة مع المغرب، في مقاربة وُصفت بأنها “حياد إيجابي”، قائم على انتظار تسوية نهائية للنزاع دون الدخول في قطيعة مع أي طرف.
في المقابل، يضيف مزراري، انتهج المغرب سياسة تقوم على تجنب التصعيد مع موريتانيا، في إطار ما يمكن اعتباره حرصًا على استقرار العلاقات الثنائية، وتفادي فتح جبهات دبلوماسية إضافية في محيط إقليمي شديد الحساسية.
وبالانتقال إلى تطورات الملف، يشير ذات المحلل إلى أن قضية الصحراء المغربية عرفت خلال العقود الماضية مسارًا طويلًا من التفاعلات، بين قرارات مجلس الأمن، وتعاقب المبعوثين الأمميين، وتعدد المبادرات السياسية الرامية إلى إيجاد تسوية، قبل أن تتجه المعطيات الدولية في السنوات الأخيرة نحو مقاربة أكثر واقعية ترتكز على خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ويؤكد مزراري أن موريتانيا استفادت، خلال فترة طويلة، من حالة “اللا حسم” في هذا الملف، ما منحها هامشًا دبلوماسيًا سمح لها بالتحرك بين الأطراف دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي منها، غير أن هذا الوضع، وفق تحليله، بدأ يتغير بشكل واضح مع التحولات الدولية الأخيرة.
وفي هذا السياق، يلفت ذات المتحدث إلى أن صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، أعاد رسم جزء من معادلات التعاطي مع الملف، خاصة أنه عزز التوجه نحو حل سياسي يقوم على مقترح الحكم الذاتي، كما وضع موريتانيا إلى جانب الجزائر والبوليساريو كأطراف معنية بالمساهمة في التوصل إلى تسوية نهائية، ما يضيّق هامش “الحياد التقليدي” الذي اعتمدته نواكشوط لعقود.
وبالعودة إلى السياق الإقليمي الأوسع، يشدد الدكتور مزراري على أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يتحرك اليوم في بيئة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع ضغوط التحولات في منطقة الساحل مع إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، في وقت يشهد فيه الدور الجزائري تحديات متزايدة في بعض الملفات، مقابل توسع ملحوظ للحضور الدبلوماسي المغربي على الساحة الدولية.
كما يضيف مزراري أن نواكشوط تبدو أمام مرحلة إعادة تقييم دقيقة لأولوياتها الاستراتيجية، في ظل سعيها إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي من جهة، وتحصين موقعها الإقليمي من جهة ثانية، وسط بيئة تتغير بسرعة وتفرض إعادة تعريف طبيعة التحالفات وشبكات الشراكة.
ويخلص الدكتور عبد الهادي مزراري إلى أن موريتانيا تقف اليوم أمام لحظة مفصلية في سياستها الخارجية، حيث تتقاطع التحولات الإقليمية العميقة مع التطورات الدولية المتسارعة، في وقت لم يعد فيه خيار “الوقوف في المنتصف” كما كان في السابق قابلًا للاستمرار بنفس السهولة، ما يجعل من ملف الصحراء المغربية أحد أبرز العناوين الحاسمة في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى التموقع أو القرار.
