أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بسبتة إلى التداول في منصات التواصل الاجتماعي مقالا لافتا نشرته صحيفة «لاراثون» الإسبانية، قبل أشهر، تحت عنوان مثير: «لماذا يربح المغرب دائما؟.. مفاتيح المعركة الدبلوماسية»، وهو تحليل حاول تفسير الكيفية التي استطاعت بها الرباط، خلال السنوات الأخيرة، تحقيق مكاسب متتالية في عدد من ملفاتها الاستراتيجية، وهو سؤال اعتراف قبل أن يكون سؤال استنكار، يكشف العقدة المتنامية لدى النخبة الإسبانية إزاء سر الدبلوماسية المغربية التي تكسب المعارك الكبرى دون ضجيج أو انفعال.
إن عودة هذا السؤال إلى واجهة التداول والتفاعل اليوم، بالتزامن مع ارتباك حكومة بيدرو سانشيز والجدل المحتدم حول الثغرين المحتلين سبتة ومليلية، يجد تفسيره في جوهر الفكرة التي طرحتها الصحيفة الإسبانية نفسها: المغرب لا يلعب بنفس إيقاع الآخرين، ولا يرهن مصالحه بحسابات الأزمات العابرة. ففي الوقت الذي تغرق فيه مدريد في تخبط السياسات اللحظية وردود الفعل الآنية—بين كتمان استدعاء السفراء لأيام خوفاً من التصعيد، أو إرسال شخصيات رياضية لدغدغة عواطف الرأي العام الداخلي—تتحرك الدبلوماسية المغربية برؤية استراتيجية ممتدة في الزمن، تُراكم المكاسب، وتدير التوازنات الكبرى مع واشنطن والاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية باحترافية باردة، جاعلة من "النفس الطويل" سلاحاً فتاكاً لتغيير موازين القوى.
ويعيد هذا السلوك المغربي الرصين إلى أذهان المراقبين في إسبانيا دروساً ميدانية وسياسية لا تُمحى، في مقدمتها درس "الكركرات" التاريخي؛ حين التزمت الرباط أقصى درجات ضبط النفس والصمت وسط الاستفزازات، قبل أن تتدخل في اللحظة التي اختارتها بحسابات دقيقة غيرت الواقع على الأرض في ساعات معدودة وأنهت أوهام الخصوم إلى غير رجعة. هذا النمط الدبلوماسي الحذر والمدروس هو تحديداً ما يجعل ملف سبتة ومليلية أكثر تعقيداً ورعباً لصناع القرار في مدريد؛ فالرباط لا تنظر إلى الثغرين كملف تكتيكي مستعجل للاستهلاك الإعلامي، بل كحق سيادي وتاريخي وجغرافي راسخ فوق التراب الإفريقي، يتطلب إنضاجه تراكم أوراق الضغط والانتظار حتى تحين اللحظة المناسبة.
إن الجواب الذي عجزت مدريد عن استيعابه طويلاً ولخصته تحليلات إعلامها، هو أن قوة المغرب الدبلوماسية لا تنبع من الخطابات الشعبوية أو التهديدات الجوفاء، بل من وضوح الأولويات الوطنية وثبات البوصلة الاستراتيجية. فالصمت المغربي لم يكن يوماً ضعفاً أو تراجعاً، بل هو مرحلة "تجميع للأوراق" ورصد لتقلبات الخصوم؛ لتصبح المعادلة الحقيقية التي تُقلق إسبانيا ليست مجرد "ماذا سيفعل المغرب؟"، بل بالأحرى: "متى سيوجه المغرب خطوته المقبلة؟"، وهو التوقيت الذي تختاره الرباط دائماً بمفردها لتكسب الرهان في النهاية.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.