في وقت تتقاطع فيه تحولات متسارعة في محيط المغرب، من الشرق الأوسط والمتوسط إلى المجال الأطلسي وإفريقيا، تبدو خريطة العلاقات والتحالفات الإقليمية أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الحسابات. وبينما تتداخل ملفات المغرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومع إسبانيا وأوروبا من جهة أخرى، تفرض قضايا سبتة ومليلية المحتلتين والهجرة وأمن الحدود نفسها ضمن مشهد جيوسياسي أكثر تعقيداً، في الوقت الذي تظل فيه الجزائر حاضرة في معادلة التوازنات المغاربية والساحلية و الأطلسية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الانتقال بالعلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، بما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز طبيعة التمثيل الدبلوماسي إلى موقع المغرب في الحسابات الإقليمية والدولية المحيطة به.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، قراءة تحليلية جديدة بعنوان: "من الشرق الأوسط إلى الأطلسي... هل يتغير موقع المغرب في الحسابات الأمريكية؟"، اعتبر فيها أن اختزال الاجتماع الثلاثي المغربي–الإسرائيلي–الأمريكي في الإعلان عن رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات قد يحجب السؤال الحقيقي: لماذا اختارت واشنطن، في هذه اللحظة تحديداً، وضع الرباط وتل أبيب ضمن إطار ثلاثي؟ ويرى الطيار أن السفارات، رغم أهميتها، قد لا تكون سوى الواجهة الدبلوماسية الظاهرة لقرار أوسع دلالة، خاصة أن الخطوة تأتي في توقيت تشهد فيه عدة معادلات محيطة بالمغرب إعادة ترتيب، من الشرق الأوسط والمتوسط إلى الأطلسي وإفريقيا.
ويمنح الطيار الموقع الجغرافي والسياسي للمغرب أهمية مركزية في فهم هذه التحولات، موضحاً أن المملكة ليست مجرد إضافة عددية إلى منظومة اتفاقات أبراهام، بل تقع عند نقطة تقاطع أوروبا والمتوسط وإفريقيا والأطلسي، وهو ما يجعل تعميق علاقتها بإسرائيل داخل إطار أمريكي ذا امتداد غربي وإفريقي مختلف. ويكتسب هذا التطور، بحسب القراءة نفسها، أهمية إضافية بسبب تزامنه مع حساسية العلاقات المغربية–الإسبانية حول سبتة ومليلية المحتلتين والهجرة وأمن الحدود، فضلاً عن دخول إسرائيل نفسها في التجاذب السياسي الإسباني حول المغرب. وفي نظر الطيار، لا يعني تزامن هذه المسارات أنها ناتجة عن خطة واحدة أو أنها منسقة فيما بينها، غير أن اجتماعها في هذه اللحظة يرفع من القيمة الجيوسياسية للمغرب.
ومن هذا المنطلق، يرسم الباحث مشهداً تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: تعميق الشراكة الأمريكية–المغربية، انتقال العلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مستوى مؤسساتي أعلى، وتشدد إسباني وأوروبي متزايد حول سبتة ومليلية المحتلتين وأمن الحدود الجنوبية. ويعتقد الطيار أن مدريد قد تتعامل مع هذا التطور بحذر وإعادة تقييم، ليس لأنه يستهدفها بالضرورة، وإنما بسبب توقيته ودلالاته الأوسع، خصوصاً في ظل سعيها إلى تثبيت موقع سبتة ومليلية المحتلتين داخل الإطار الأوروبي. كما أن حساسية الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة والبحر المتوسط والأطلسي تجعل تزايد الوزن الاستراتيجي للمغرب داخل شبكة علاقات أمريكية–إسرائيلية–أوروبية متشابكة عاملاً يستحق المتابعة في الحسابات الإسبانية.
ولا تتوقف القراءة عند إسبانيا، إذ يضع الطيار الجزائر أيضاً أمام احتمال إعادة تقييم حساباتها في ظل ما يعتبره تغيراً أوسع في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمغرب. فكلما أصبحت العلاقة المغربية–الإسرائيلية أكثر مؤسساتية برعاية واشنطن، وتوسعت مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا والأمن والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي، قد تجد الجزائر نفسها أمام معطيات جديدة في المجال المغاربي والساحل والأطلسي. ومن هنا، يرى الباحث أن السؤال الذي يستحق المتابعة في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بما ستضيفه السفارات إلى العلاقات المغربية–الإسرائيلية، وإنما بكيفية تعامل إسبانيا والجزائر مع تزايد الوزن الاستراتيجي للمغرب داخل شبكة التوازنات المحيطة به، وما إذا كانت هذه التطورات ستدفع نحو إعادة قراءة موقع الرباط ضمن هندسة جيوسياسية تمتد من الشرق الأوسط والمتوسط إلى الأطلسي وإفريقيا.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.