القائمة الرئيسية
أخبارنا

لماذا الأردن والمغرب في الخليج؟

لماذا الأردن والمغرب في الخليج؟

هبت عواصف الثورات والاحتجاجات العربية، فأطبقت على أنفاس الحاكمين، وأرعبت عروش الملوك المستأنسين، وحولت أيامهم ولياليهم إلى عالم من الخوف والقلق على المصير.

 

تنفست الشعوب، أطلت برأسها، صدحت حناجرها، حملت أحلامها، ومشت خلف أي دعوة للإحتجاج، يأساً من واقعها المزري، وانتقاماً من كل ما هو قائم، وغضباً تفجر صاعقاً على الأنظمة المخادعة لشعوبها، التي تفتقر إلى أدنى مقومات الديمقراطية والمشاركة السياسية، وهذه الشعوب الثائرة على أوضاع البلاد، إن كانت فقيرة، فهي محكومة بالبحث ليل نهار عن كسرة الخبز، وجرعة الدواء، والمسكن الآمن، ومفروض عليها أن تساير من يحكمها، أملاً بغد أفضل، أو قنوطاً من تغيير الحال، وإن كانت الشعوب تعيش في دول غنية، حيث نعمة النفط والغاز، فهي تعيش رفاهية مقبولة، لكنها على حساب حريتها ومشاركتها في القرار، وفي السياسات العامة التي تحدد توزيع الثروة.

 

فالمجتمعات العربية بمعظمها تعيش ضائقة ديمقراطية، وتقبع في أوطانها مهمشة، وتضع مستقبلها بين يدي حكامها الذين يرهنون قرار البلاد مقابل البقاء على عروشهم، ويقايضون على الدوام بين استقرار حكمهم وتبديد ثرواتهم هنا وهناك، بدون أية رؤية تنموية للبلاد والعباد.

 

بدأت الثورة في تونس وتم إسقاط رئيسها، وامتدت إلى مصر وتم خلع حاكمها، وهناك تخوف من أن التغيير في هذين البلدين لم يغير الذهنية التي كانت حاكمة، وأن العملية الإنتقالية قد لا تقود إلى مرحلة جديدة تحدد سياسة مختلفة عن ما كان قائماً قبل سقوط النظامين التونسي والمصري.

 

بعدها حصل الإرتباك عندما امتدت الاحتجاجات لتطال البحرين واليمن وليبيا وسوريا، ففي البحرين تعاطت السلطات البحرينية والدول الخليجية مع تلك الإحتجاجات السلمية بأساليب قمعية، وبتدخل قوات سعودية تحت مظلة قوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي، وتم اتهام إيران بأنها تقف وراء الإحتجاجات، لإعطاء طابع مذهبي لهذه التحركات، التي رفعت شعارات لمطالب مشروعة، ولم تستخدم العنف لتحقيق هذه المطالب.

 

وفي اليمن لا زالت الأوضاع تدور في حلقة مفرغة، بين تظاهرات معارضة للرئيس علي عبد الله صالح العائد من السعودية بعد فترة علاج امتدت لثلاثة أشهر، وبين تظاهرات مؤيدة للرئيس، لتعيش البلاد مواجهات خطيرة، لا يبدو معها أن الأمور ستبلغ النهاية الحاسمة لهذه المعركة، بين اتجاه أكيد لتنحي الرئيس قريباً، وبين اتجاهات تنذر بالفوضى المدمرة للبلاد.

 

وفي ليبيا تمكن الثوار بمساعدة قوات حلف شمال الأطلسي من السيطرة على البلاد، وإخراج الرئيس الليبي من طرابلس، الذي يوجه رسائل صوتية بين الحين والآخر، على طريقة أسامة بن لادن، يدعو فيها للمواجهة والتصدي ويبشر بأن نظامه لم يسقط بعد.

 

أما في سوريا فالمشهد شديد الضبابية، حيث تتصاعد وتيرة الضغوطات الدولية على النظام لإسقاطه، مع تصاعد المواجهات الميدانية والعمليات الأمنية، وسقوط المزيد من الضحايا، حيث تشير الأوساط الدولية بأن قرار إسقاط نظام بشار الأسد اتخذ، وأن أميركا أعطت الضوء الأخضر لتركيا لتنفيذ هذا القرار، عبر استخدام مناطق الحدود لتوجيه المعارضين وتزويدهم بما يلزم لإضعاف النظام، هذا من جهة، ومن جهة ثانية التغلغل داخل صفوف الجيش لإحداث انشقاقات بداخله، حيث أن تركيا الوحيدة القادرة على لعب هذه الورقة الخطيرة داخل الجيش للإنقضاض على النظام، رغم أن هناك دلالات هامة داخلية وخارجية لا زالت تؤشر إلى تماسك النظام، وإمساكه بالوضع الداخلي، وأن تركيبة الجيش تمنع انشقاقه وانقلابه على النظام، الذي يمكنه تقديم ضمانات داخلية وخارجية تحفظ رأسه، وتبقيه على قيد الحياة، وإن تغير شكله وتركيبته وحتى دوره الإقليمي.

 

أمام كل ما يحدث من تطورات في العالم العربي، وفجأة، قرر مجلس التعاون الخليجي الموافقة على طلبي انضمام الأردن والمغرب إلى المجلس، وفي اجتماعات متتالية وضعت خطط الإنضمام ومراحلها، والمساعدات المالية لتنفيذ بعض التغييرات والقيام ببعض الإجراءات التي تؤهل كل من البلدين للإنضمام.

 

لماذا الأردن والمغرب بالتحديد؟

 

في البداية بالنسبة للأردن، لا بد من التذكير بأن الأردن كان قد تقدم سابقاً بطلب من هذا النوع، ورفض في حينه، أما الطلب الحالي، فتناقلت بعض المصادر أن المجلس هو من قام بتشجيع الأردن على تقديم هذا الطلب، وأن الموافقة مضمونة والإجراءات ستكون سريعة للإنضمام، ولا شك بأن الأهداف من انضمام الأردن لا تحتاج إلى تفسيرات صعبة، في ظل الأوضاع التي تعيشها الدول العربية، ولتي تنذر بتفجير الوضع بأية دولة من الدول، ولن يكون أحد بمنأى عما يحدث، هذا ما دفع بدول الخليج للتفكير جدياً بإحداث تغييرات على دور وعمل مجلس التعاون الخليجي، بما يتماشى مع التطورات التي تعصف بالعالم العربي، فاستقر الرأي على توسيع مجلس التعاون ليضم دولاً فاعلة، وتكون أنظمتها متشابهة لأنظمة دوله، فوقع القرار على الأردن والمغرب، فكان طلب الأردن للإنضمام، حيث النظام الملكي مشابه للأنظمة الخليجية، ويتماشى من الأساس مع سياساتها، وبإمكانه تقديم المساعدة للدول الخليجية على الصعيدين الأمني والسياسي، مقابل إفادته اقتصادياً، كما يمكن للأردن أن يعوض سقوط الحارس العراقي للخليج، وأن يكون بديلاً فاعلاً لحماية الخليج من الأخطار المحيطة به، وخاصة الخطر الإيراني الذي يؤرّق الدول الخليجية، ويعبيء شعوبها ويزيد من تسلحها وطلب المعونة الدائمة من أميركا المتواجدة في خليجها، والمتأهبة للتدخل في حماية الأنظمة من السقوط أو الإهتزاز.

 

وهناك من يعتبر أن الخوف من امتداد لهيب الثورات إلى الدول الخليجية، هو الذي عجّل في طلب انضمام الأردن، حيث تشير المعلومات إلى مساهمة هذه الدولة بمعالجة الوضع في البحرين، وقمع الإحتجاجات البحرينية التي أسبغ عليها الطابع المذهبي ووقوف إيران وراءها، بالإضافة إلى محاولة خليجية لتوسيع النطاق الجغرافي لمجلس التعاون، فمحافظة اربد الأردنية على سبيل المثال أكبر من قطر والبحرين مساحة وسكاناً، وإذا أضيفت المغرب إلى المجلس، فيكون المسعى الخليجي قد نجح في إيجاد توازن أمني وجغرافي واقتصادي وسياسي عبر تجمع وازن، خاصة بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، والفراغ في مصر، والوضع في سوريا، ومحاولة استبدال الدور المصري الداعم للدول الخليجية بدور مغربي – أردني، وتشكيل ثقل سني ضمن هذا التجمع، لمواجهة الثقل الشيعي الإيراني والعراقي أيضاً، وما حديث الملك الأردني منذ سنوات عن الهلال الشيعي إلا دليلاً إضافياً على انضمام الأردن لمواجهة الهلال المذكور، والذي يقصد به السيطرة الشيعية على القرار في الدول التي تمتد من إيران إلى العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى لبنان، ويكفي أن أميركا باركت خطوة انضمام الأردن والمغرب للتجمع الخليجي لمعرفة الأهداف من وراء هذا الإنضمام.

 

مع الإشارة إلى حصول خلافات داخل مجلس التعاون ومعارضة الكويت وقطر وعُمان للإنضمام بهذه السرعة، وضرورة إجراء مزيد من الدراسة على منح الأردن والمغرب العضوية في المجلس.

 

إذن، انضمام الأردن والمغرب يوسعان التجمع الخليجي، ويجعلان منه تجمعاً للأنظمة الملكية في العالم العربي، تتكامل فيه الأنظمة سياسياً وأمنياً واقتصادياً وبشرياً، رغم رفض بعض الشرائح الإجتماعية في الأردن والمغرب لخطوة انضمام بلديهما للمنظومة الخليجية.

 

فالظروف السياسية في العالم العربي، والمخاوف التي تنتاب الدول الخليجية من تصدع أوضاعها الداخلية، وتهديد الإستقرار للأنظمة القائمة، سرّعت في اتخاذ قرارات وقائية تضمن استقرار الأوضاع في الخليج، ولو اضطر الأمر لانضمام المغرب وربط أقصى الوطن العربي غرباً وأقصاه شرقاً، وتجاوز العقد الجغرافية والسكانية التي ظلت من أهم العوامل لتجمعات الدول، وهنا النقطة التي أثارت حفيظة البعض داخل الدول الخليجية، أن مجلس التعاون محصور بالدول الخليجية المتقاربة جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، والمتماثلة في أنظمة الحكم، ومن الصعب توسيع هذا التجمع ليضم دولاً بعيدة جغرافياً وغير متشابهة اجتماعياً واقتصادياً، لكن ما يجمعها فقط تشابه الأنظمة الملكية.

 

لقد تجاوزت الدول الخليجية كل العقد والصعوبات التي تمنع انضمام الأردن والمغرب بسرعة مريبة، ونجح المسعى السعودي بفرض إجراءات تحمي دول الخليج، وتم إقرار برنامج تنمية إقتصادية لمدة خمس سنوات تستفيد منه كل من المغرب والأردن.

 

أمام هذه الوقائع المتسارعة، هناك أسئلة عديدة تفرض نفسها، وهي تحتاج إلى أجوبة قد لا تكون متوفرة في الوقت الحالي، ومن هذه الأسئلة :

 

لماذا الأردن والمغرب بالتحديد؟ هل لأن نظاميهما ملكيين وللإستفادة منهما سياسياً وأمنياً وبشرياً؟ وما هي المقومات التي أهّلت كل منهما للإنضمام؟ وهل تقبل عضوية أية دولة عربية بحال كانت مستوفية للشروط نفسها؟ وماذا لو تقدم العراق القريب جغرافياً للإنضمام أو لبنان مثلاً؟ وهل تهضم الدول الخليجية الديمقراطية اللبنانية على علاتها وتحاول التماهي معها؟ ولماذا وضعت العراقيل بوجه انضمام اليمن؟ وبحال انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي هل سيستمر في عضوية اتحاد المغرب العربي؟ وما هو مصير العلاقات الإقتصادية الثنائية للأردن مع بعض الدول العربية وخاصة سوريا؟ وكيف تنظر جامعة الدول العربية إلى انضمام الأردن والمغرب؟ وهل يؤثر هذا الإنضمام على وضعها المتهالك أصلاً، وهل يأتي هذا الإنضمام على حسابها وهي بأمس الحاجة لترميم وضعها وتفعيل دورها وعملها؟ وكيف تحل مسألة التناقض بين القدر اليسير من الديمقراطية في المغرب وانتفاء ذلك في الدول الخليجية؟ وهل ستنحصر أهداف هذا الإنضمام بالإفادة الأمنية والسياسية من الأردن والمغرب واستفادة البلدين اقتصادياً، وعدم توسع إطار هذه الأهداف إلى إحداث تنمية شاملة في هذه الدول، وتحسين هياكلها الإقتصادية وتطوير تشريعاتها وخاصة السياسية منها؟

 

الأسئلة تتراكم مع خطوة قبول طلبات الإنضمام للأردن والمغرب، ولا أجوبة حاسمة، والسؤال الرئيسي الذي بدأنا به، يعود ليفرض نفسه ونحن نختم، لماذا الأردن والمغرب في الخليج؟


محمد حسن خليفة

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.