كيف يتحول المشاهد إلى شريك في صناعة التفاهة والتافهين؟
أخبارنا المغربية - حنان سلامة
تعج منصات التواصل الاجتماعي يومياً بصرخات الاستنكار الممزوجة بالاستغراب: "لماذا يتصدر التافهون المشهد؟"، و"كيف أصبحت الفضيحة هي العملة الأكثر تداولاً في (طوندونس) المغرب؟"؛ لكن المواجهة الصريحة مع الذات تكشف حقيقة مرة يتهرب الكثيرون من الاعتراف بها، وهي أن المشاهد، بوعي أو بدونه، هو المهندس الأول لهذا الواقع الرقمي المشوه.
وتتجلى هذه المفارقة في السلوك اليومي للمبحرين عبر الشبكة؛ إذ ما إن يلوح فيديو يحمل وسم "فضيحة" أو "مشاداة كلامية"، حتى يتسابق الجميع للنقر والمشاهدة، بدافع الفضول أو الرغبة في "الفرجة". إن تلك "النقرة" العابرة، وإن كانت بهدف الاستهجان أو الشتم، هي في لغة الأرقام "صك غفران" يمنح صاحب المحتوى الشهرة والمال، ويحول "اللاشيء" إلى "نجم" يشار إليه بالبنان.
وفي المقابل، يسود نوع من "الزهد الرقمي" حينما يتعلق الأمر بالمحتوى الهادف؛ فالفيديوهات التي تناقش العلم، التاريخ، أو تقدم نصائح رصينة، غالباً ما تُقابل بفتور وبرود، حيث يزحف "الملل" إلى نفوس المشاهدين الذين يبخلون حتى بـ "إعجاب" تشجيعي. وفي اللحظة التي تظهر فيها مشاهد "الشيخ والمشيخة"، تسبق اليد العقل في التفاعل، مما يكرس سيادة المحتوى السطحي على حساب الفكر الجاد.
كما يتذرع البعض بمقولة "أشاهدهم فقط لأضحك عليهم"، وهي مغالطة كبرى في عالم "الخوارزميات"؛ فهذه الأخيرة لا تفرق بين ضحك "الإعجاب" وضحك "الاستهزاء"، بل تترجم بقاءك على الفيديو كدليل نجاح. إنها معادلة بسيطة بين "تاجر" يسوق التفاهة و"زبون" يقبل على شرائها؛ وطالما أن المستهلك يطلب "السلعة الرديئة"، فإن السوق سيظل غارقاً بها.
إن الخلاصة التي يجب أن يعيها الجميع هي أن "التفاهة" لا تملك أرجلاً لتمشي بها، بل نحن من نحملها فوق أكتافنا ونصعد بها إلى القمة. والنهار الذي يقرر فيه المشاهد المغربي اعتماد "حمية رقمية" وتجاهل كل ما هو "خاوٍ"، سيجد "المعقول" مكانه الطبيعي من جديد، لأن الجمهور وقتها سيكون قد استعاد بوصلة الذوق السليم.
