بعد أحداث سبتة.. أشيبان يكشف أعطاب الاقتصاد المغربي ويقترح خارطة طريق لتوزيع عادل للثروة

بعد أحداث سبتة.. أشيبان يكشف أعطاب الاقتصاد المغربي ويقترح خارطة طريق لتوزيع عادل للثروة

أخبارنا المغربية - عبدالإله بوسحابة

أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة إلى الواجهة أسئلة عميقة مرتبطة بواقع الاقتصاد المغربي، ليس فقط من زاوية خلق الثروة، وإنما أساساً من زاوية قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الثروة إلى فرص شغل لائقة وتحسين ملموس لمستوى عيش المغاربة. وفي هذا السياق، قدم الباحث في الاقتصاد الدكتور خالد الشيبان قراءة نقدية لعدد من الاختلالات التي يعتبر أنها تحول دون استفادة فئات واسعة من ثمار النمو، مقترحاً في المقابل جملة من الإجراءات التي يرى أنها قادرة على إعادة التوازن إلى العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

وينطلق الشيبان من معطى دال، يستند فيه إلى بيانات البنك الدولي، مفاده أن الناتج الداخلي الخام للمغرب ارتفع من حوالي 46 مليار دولار سنة 1999 إلى ما يقارب 182 مليار دولار سنة 2025، أي أن حجم الاقتصاد الوطني تضاعف عدة مرات خلال ما يزيد عن ربع قرن، دون أن تعرف الساكنة ارتفاعاً مماثلاً. وبالنسبة للباحث، فإن هذه الأرقام تؤكد أن المغرب نجح في تطوير قدرته على إنتاج الثروة، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً أكثر إلحاحاً: أين تذهب هذه الثروة، ولماذا لا ينعكس نموها بالقدر الكافي على حياة المواطن وفرصه في العمل؟

ويرى الشيبان أن جوهر الإشكال لا يكمن بالضرورة في ضعف الإنتاج، وإنما في اختلال آليات توزيع الثروة، معتبراً أن خلق فرص شغل مستقرة وبأجور قادرة على مواكبة كلفة المعيشة يمثل المدخل الأساسي لأي توزيع أكثر عدالة. غير أن القطاعات الأكثر إنتاجاً للثروة لا تزال، بحسب قراءته، عاجزة عن توفير العدد الكافي من فرص الشغل، في وقت يبقى فيه سوق العمل المغربي شديد الارتباط بأداء القطاع الفلاحي، بما يجعله أكثر هشاشة أمام تداعيات الجفاف والتقلبات المناخية.

وفي السياق ذاته، يلفت الباحث إلى الحجم الكبير للقطاع غير المهيكل، الذي يشغل، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، نسبة مهمة من اليد العاملة، بما يعني وجود ملايين العاملين خارج الحماية الاجتماعية الكاملة، ودون استفادة منتظمة من أنظمة التقاعد والتغطية الصحية، فضلاً عن ظروف عمل وأجور لا تكون دائماً منسجمة مع مقتضيات قانون الشغل ومتطلبات الحياة اليومية.

ولا تقل وضعية المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة إثارة للقلق، يقول الشيبان، باعتبارها تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، لكنها لا تزال تعاني من الهشاشة وصعوبة الولوج إلى التمويل والأسواق، في مقابل استمرار تمركز جزء مهم من النشاط الاقتصادي في يد عدد محدود من الشركات الكبرى. وينتقد الباحث، في هذا الإطار، بعض أشكال الدعم العمومي الموجه إلى المقاولات الكبرى، داعياً إلى ربط الاستفادة من المال العام بمردودية اقتصادية واجتماعية واضحة، وفي مقدمتها خلق فرص شغل حقيقية وفتح الأسواق أمام المنافسة.

كما يتوقف الشيبان عند القطاع الفلاحي، الذي أصبح أحد محركات الصادرات المغربية، لكنه لا ينعكس، حسب رأيه، بالقدر نفسه على أوضاع شريحة واسعة من اليد العاملة الفلاحية، بسبب الاعتماد الكبير على التشغيل الموسمي ومستويات الأجور المحدودة، إلى جانب استمرار ظروف عمل صعبة في عدد من المناطق والأنشطة.

وبدل الاكتفاء بتشخيص هذه الاختلالات، يقترح الشيبان ما يشبه خارطة طريق لإعادة توزيع فرص النمو، تبدأ بإطلاق سياسة عمومية أكثر وضوحاً لدعم المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة، باعتبارها الأكثر قدرة على خلق فرص شغل موزعة على مختلف الجهات، إلى جانب خطة وطنية لإدماج جزء كبير من الاقتصاد غير المهيكل داخل الدورة الاقتصادية والقانونية، مع تعزيز صلاحيات ووسائل مفتشي الشغل لضمان احترام الحقوق الاجتماعية للعاملين.

ويقترح الباحث كذلك إعادة النظر في فلسفة الدعم العمومي للمقاولات الكبرى، من خلال ربطه بدفاتر تحملات دقيقة تتضمن التزامات قابلة للقياس، خصوصاً في ما يتعلق بعدد مناصب الشغل المحدثة والاستدامة الاجتماعية للاستثمار. كما يدعو إلى إحداث مكاتب داخل الجامعات والمعاهد ومؤسسات التكوين المهني، تضم ممثلين عن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات والهيئات المكلفة بمواكبة المقاولات، حتى تصبح خدمات التشغيل والتوجيه والمواكبة أقرب إلى الشباب وفي صلب المؤسسات التي يتخرج منها.

ومن بين المقترحات اللافتة أيضاً، يطرح الشيبان فكرة تعميم برامج "الفرصة الثانية" لفائدة الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة، عبر تكوينات مجانية ومباشرة في مهن يزداد عليها الطلب، من قبيل النجارة والحدادة والحلاقة والسياقة والسباكة وغيرها، بما يسمح بتحويل فئة مهددة بالإقصاء الاقتصادي إلى قوة منتجة قادرة على الاندماج في سوق العمل.

كما يدعو إلى الإسراع بتقنين أنشطة النقل والتوصيل عبر التطبيقات داخل المدن المغربية، مع إحداث آليات دعم تمكن الشباب من اقتناء سيارات أو دراجات لمزاولة هذه الأنشطة وفق شروط ودفاتر تحملات واضحة، بما يضمن الانتقال من العمل غير المنظم إلى نشاط اقتصادي قانوني يدر دخلاً ويوفر الحماية الاجتماعية.

وتحمل قراءة الشيبان، في جوهرها، رسالة تتجاوز الأرقام والإحصائيات، مفادها أن المشكلة لم تعد فقط في قدرة المغرب على إنتاج الثروة، بل في قدرته على تحويل هذه الثروة إلى فرص متكافئة في الشغل والدخل والاندماج الاقتصادي. فالنمو الذي لا يجد طريقه إلى سوق العمل، ولا يتحول إلى تحسين محسوس في حياة الفئات الهشة والشباب، يظل معرضاً لأن يتحول إلى مصدر للإحباط بدل أن يكون رافعة للأمل.

ومن هنا، يخلص الباحث إلى أن معالجة هذه الاختلالات تستوجب سياسة عمومية مندمجة تتجاوز الحلول القطاعية والموسمية، وتربط بين الاستثمار والتشغيل والتكوين والحماية الاجتماعية ودعم المقاولة، بما يجعل من النمو الاقتصادي وسيلة فعلية لتحسين شروط العيش، وليس مجرد مؤشر إيجابي في التقارير الاقتصادية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة