القائمة الرئيسية
أخبارنا

حين تتحول الشهرة إلى سلطة.. من يمنح المؤثرين حق محاكمة المجتمع؟

حين تتحول الشهرة إلى سلطة.. من يمنح المؤثرين حق محاكمة المجتمع؟

غيّرت مواقع التواصل قواعد النقاش العام، فلم يعد الوصول إلى جمهور واسع حكراً على الصحافي أو الأكاديمي أو صاحب الاختصاص، وأصبح الهاتف وحساب يحظى بآلاف المتابعين كافيين لصناعة منبر مؤثر. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً: هل امتلاك جمهور واسع يمنح صاحبه الأهلية للحكم على الناس وتصنيفهم أخلاقياً؟ 

ويظهر الإشكال عندما ينتقل بعض صناع المحتوى من توثيق ظاهرة سلبية وانتقادها إلى إهانة الأشخاص أنفسهم. فهناك فرق بين تصوير شاطئ تغزوه النفايات والقول إن رمي الأزبال سلوك غير حضاري، وبين وصف مرتاديه بـ"الحيوانات" أو "الوحوش" أو إطلاق أحكام تمس تربيتهم وكرامتهم. الأول نقد لسلوك قابل للنقاش والمحاسبة، والثاني يتحول إلى محاكمة للأشخاص.

وتبرز هنا مفارقة واضحة، إذ يمكن للمؤثر أن يدافع عن قضية مشروعة، لكنه يسيء إليها بطريقة خطابه. فنظافة الشواطئ مسؤولية جماعية، ومطالبة المواطنين باحترام الفضاء العام أمر محمود، لكن الدفاع عن النظافة لا يستقيم بتلويث النقاش بالإهانة، كما أن الدعوة إلى التحضر تفقد جزءاً من معناها عندما تقدم بأسلوب يفتقر إلى الاحترام.

كما صنعت أرقام المشاهدات والمتابعين لدى البعض وهماً بالأهلية، حتى كأن الشهرة شهادة في المعرفة والتربية والأخلاق. والحقيقة أن مليون متابع قد يجعل صاحبه مشهوراً ومؤثراً، لكنه لا يجعله بالضرورة خبيراً أو مرجعاً، فعدد المتابعين مقياس للانتشار وليس للكفاءة أو المعرفة.

ولا يعني ذلك مطالبة المؤثرين بالصمت، فهم قادرون على لعب دور إيجابي في كشف اختلالات لا تصل إليها أحياناً وسائل الإعلام، سواء تعلق الأمر بالتلوث أو سوء الخدمات أو غيرهما. غير أن قوة هذا الدور تبدأ من القدرة على التمييز بين فضح المخالفة وإهانة صاحبها، وبين مساءلة المسؤول وتوزيع الأحكام الأخلاقية على المجتمع.

ومن جهة أخرى، لا تقدم الكاميرا دائماً الصورة كاملة، فوجود النفايات على شاطئ يطرح مسؤولية من ألقاها، لكنه يفرض أيضاً التساؤل عن توفر الحاويات، وانتظام جمع النفايات، والمراقبة والزجر، ومسؤولية الجهات المكلفة بالتدبير. وهكذا يصبح المحتوى أداة لمساءلة مختلف الأطراف، بدل اختزال المشكلة في نوبة غضب ضد المواطنين.

وتساهم طبيعة المنصات نفسها في تضخيم الظاهرة، فالخطاب الغاضب والعبارات الصادمة غالباً ما تجلب التعليقات والمشاركات أكثر من النقد الهادئ، وهو ما قد يدفع بعض صناع المحتوى تدريجياً إلى صناعة الجدل بدل صناعة النقاش، لأن الغضب بدوره أصبح طريقاً إلى المشاهدات والانتشار.

وفي النهاية، نحن أمام سلطة جديدة صنعتها مواقع التواصل، هي "سلطة المتابعة". فالشهرة تمنح صاحبها جمهوراً واسعاً وصوتاً مسموعاً، لكنها لا تمنحه حق الوصاية على الآخرين. ومن حق المؤثر أن ينتقد ويصور الاختلال ويطالب بالمحاسبة، لكن عدد المتابعين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للاعتقاد بأنه أصبح قاضياً على المجتمع الذي صنع شهرته.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.