أثار قرار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منع إحداث أكاديميات ومدارس خاصة تحمل أسماء أندية أجنبية تساؤلات حول الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذه الخطوة التنظيمية. تحليل المعطيات المتوفرة يكشف أن القرار ليس وليد لحظته، بل يندرج ضمن استراتيجية أشمل تستحضر ثلاثة أبعاد أساسية: قانوني، واقتصادي، ورياضي استراتيجي.
قرار منع الأسماء الأجنبية لم يأت بمعزل عن سياق تنظيمي أوسع، إذ سبقه بيومين فقط، وتحديدا يوم 7 غشت، نشر المديرية التقنية الوطنية دليلا يحدد شروط إحداث المدارس والأكاديميات الخاصة والاعتراف بها وتصنيفها، مع تفويض مهمة مراقبة احترام هذه المعايير إلى العصب الجهوية. ويستند هذا المرجع إلى الفصل 33 من القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، وإلى الفصلين 19 و20 من المرسوم رقم 2.10.628، اللذين يشترطان حصول أي مؤسسة رياضية خاصة أو مركز تكوين على اعتماد مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالرياضة، بناء على رأي مطابق من الجامعة. بمعنى آخر، القرار يُترجم عمليا صلاحيات قانونية كانت قائمة أصلا، لكنها لم تكن تُفعَّل بالصرامة الكافية.
من الناحية الاقتصادية، يبدو أن الجامعة استخلصت دروسا من تجربة عقد كامل تقريبا مع نموذج "الترخيص بالعلامة التجارية"، الذي يقوم على استغلال اسم ناد أجنبي كبير مقابل اشتراكات سنوية باهظة تستهدف الأسر الميسورة، دون أن يعني ذلك بالضرورة استثمارا حقيقيا أو التزاما طويل الأمد من طرف الناديين المعنيين. فقد سبق لبرشلونة أن أغلق أكاديميته بالدار البيضاء سنة 2017 بعد سنتين فقط من افتتاحها، دون أن يمنع ذلك المشغل المحلي من الاستمرار في استغلال شعار النادي، كما اختفت أول أكاديمية لباريس سان جيرمان بالطريقة نفسها، في مؤشر على أن هذه الشراكات كانت غالبا هشة وقابلة للانهيار بمجرد تغير حسابات الأندية الأجنبية التجارية، تاركة فراغا مؤسساتيا وأحيانا التزامات مالية أو تعاقدية غير محسومة تجاه الأسر المشتركة.
لكن جوهر القرار، بحسب ما أوضحته الجامعة في بلاغها، يكمن في هدف استراتيجي واضح: تعزيز مكون التكوين والتأطير الوطنيين، وإرساء مبدأ استقلالية الأكاديميات والمدارس الخاصة، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية الوطنية لتطوير كرة القدم. ويعني هذا عمليا قطع علاقة التبعية القائمة بين المدارس الخاصة المغربية والعلامات التجارية الأجنبية، لصالح توجيه اللاعبين الشباب نحو مسار تكويني فدرالي موحد ينسجم مع فلسفة ومعايير الجامعة نفسها، بدل تشتت مناهج التكوين بين عدة نماذج أجنبية متباينة لا تراقبها الجهات الوطنية بالشكل الكافي.
ويكتسي توقيت القرار دلالة خاصة، إذ يأتي في مرحلة تستعد فيها المملكة لاستضافة كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، وهو استحقاق يفرض على المنظومة الكروية الوطنية بناء قاعدة صلبة من المواهب المحلية المؤطرة وفق معايير موحدة، بدل الاعتماد على نماذج تكوين مستوردة تخدم في المقام الأول الصورة التجارية للأندية الأجنبية أكثر مما تخدم تطوير كرة القدم المغربية في حد ذاتها.
ورغم وضوح الأهداف المعلنة، يترك بلاغ الجامعة عدة تساؤلات دون جواب؛ إذ يقتصر نص القرار على منع إحداث هياكل جديدة، دون أن يحسم مصير الأكاديميات العاملة حاليا تحت تراخيص أجنبية، ولا الجدول الزمني المحتمل لتغيير تسمياتها، ولا طبيعة العقوبات المطبقة في حالة المخالفة. كما لم يوضح البلاغ ما إذا كانت المدارس ذات الطابع الاجتماعي التضامني ستخضع للقاعدة نفسها، وهي تفاصيل من المرجح أن تُحسم في النصوص التطبيقية اللاحقة للمرجع الوطني الجديد.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.