نشر الاستاذ "عصام الإبراهيمي"، المحامي بهيئة الدار البيضاء والخبير في القانون وقضايا التحكيم الرياضي، وثائق رسمية صادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، مرفقة بقراءة تحليلية بعنوان "مشروع فيفا للتقدم الكروي: عندما تصطدم التجارة بحوكمة كرة القدم"، قدم من خلالها وجهة نظره القانونية والرياضية حول خلفيات المشروع الذي تحول خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أبرز القضايا التي هزت منظومة الحوكمة داخل كرة القدم العالمية.
وتكتسي الوثائق أهمية خاصة، بالنظر إلى صدورها بتاريخ 5 غشت 2026، عقب اجتماع احتضنته مكاتب الاتحاد الدولي لكرة القدم في الرباط، ضم كلا من رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو والأمين العام ماتياش غرافستروم إلى جانب أعضاء مجلس إدارة الاتحاد، لبحث تداعيات الأزمة المرتبطة بالمشروع.
وفي قراءته للملف، يرى عصام الابراهيمي أن مشروع "مؤسسة فيفا للتقدم الكروي" لم يكن مجرد مقترح تجاري يتعلق بتعبئة موارد مالية إضافية، بل كان تصورا كبيرا لإعادة تنظيم جزء من القيمة الاقتصادية التي تنتجها كرة القدم العالمية. ويوضح الخبير في القانون الرياضي أن المشروع كان يقوم على إنشاء كيان تجاري تقدر قيمته بحوالي 20 مليار دولار، مع امكانية فتح ما يصل الى 20 في المائة من حصته أمام مستثمرين خواص، بما يسمح بتعبئة نحو 4.2 مليار دولار، على أن توجه العائدات الى تطوير كرة القدم وتمويل برامج التنمية لفائدة الاتحادات الاعضاء الـ 211.
ويعتبر الابراهيمي ان جاذبية الفكرة من الناحية المالية لا تلغي السؤال الجوهري الذي أثارته، والمتمثل في مدى إمكانية الجمع بين استثمار القيمة التجارية لكرة القدم العالمية والحفاظ في الوقت نفسه على استقلال القرار الرياضي وطبيعة الحوكمة داخل الاتحاد الدولي.
وبحسب التحليل الذي قدمه الابراهيمي، فان جوهر الازمة لم يكن مرتبطا بحجم المبلغ المراد تعبئته فقط، وإنما بالطريقة التي اعد بها المشروع وبحدود إشراك الهيئات المعنية في صياغته. ويشير الخبير إلى أن اعتراضات عدد من الهيئات القارية، وما رافقها من انتقادات بشأن مسار التشاور، عكست مخاوف تتجاوز الجانب المالي، لتلامس مستقبل العلاقة بين كرة القدم باعتبارها مؤسسة رياضية عالمية، وبين رأس المال الخاص الباحث عن فرص استثمارية في سوق رياضي تقدر قيمته بمليارات الدولارات. ومن هذا المنظور، يخلص الابراهيمي الى أن السؤال الحقيقي لم يكن فقط "كم ستربح فيفا؟"، بل "من يملك القيمة الاقتصادية لكرة القدم العالمية، ومن يملك حق التصرف فيها، وتحت أي قواعد؟".
وتؤكد الرسالة الرسمية الصادرة عن قيادة الاتحاد الدولي، والتي توقف عند مضامينها الابراهيمي، ان المؤسسة اعترفت بوقوع أخطاء في طريقة تدبير المشروع والتواصل بشأنه، خصوصا بعدما شعر مجلس الاتحاد والاتحادات الأعضاء بأنها لم تشارك بالشكل الكافي في العملية. كما أقرت الرسالة بوقوع اخطاء اضافية بعد تسريب المقترح الى وسائل الاعلام، قبل أن تعلن بوضوح أن المشروع أصبح "خارج الطاولة"، وان مراجعة ستجرى بشأن ملابساته، على أن يقدم تقريرا إلى مجلس الاتحاد الدولي خلال اجتماعه المقبل. كما جددت قيادة الاتحاد الدولي دعمها الكامل لجياني إنفانتينو، مقابل تأكيد الرئيس دعمه للأمين العام وإدارة الاتحاد، مع الإقرار بضرورة تطوير آليات التواصل والتفاعل وصناعة القرار داخل المؤسسة.
ويرى الابراهيمي ان هذه التطورات تحمل دلالة قانونية وحوكمية تتجاوز مصير المشروع نفسه، لأن القضية كشفت، في نظره، عن صعوبة تحقيق التوازن بين الرغبة في استثمار القوة الاقتصادية الهائلة لكرة القدم وبين ضرورة احترام مبادئ الشفافية والتشاور والاستقلالية في اتخاذ القرار. فالاتحاد الدولي، كما تبرز الوثيقة التي نشرها الخبير المغربي، أقر بوجود أخطاء في تدبير الملف، لكنه شدد في المقابل على أن ما تم القيام به كان في إطار القواعد التنظيمية المعمول بها، كما اعلن انه لن يتسامح مع ما يعتبره هجمات على نزاهته وحوكمته وسمعته، وسيعمل على حماية اسم المؤسسة ومكانتها.
ويخلص عصام الإبراهيمي في قراءته إلى أن سحب المشروع لا يعني بالضرورة اغلاق الملف، بل قد يكون بداية لنقاش أوسع حول مستقبل الحوكمة الاقتصادية لكرة القدم العالمية. فحتى بعد وضع المقترح خارج التداول، ستظل الأسئلة التي أثارها مطروحة، وفي مقدمتها كيفية استثمار الحقوق التجارية الضخمة التي تملكها فيفا دون تحويلها إلى مجرد أصول استثمارية، وكيفية جذب رؤوس الأموال الخاصة مع ضمان حماية القرار الرياضي ومصالح الاتحادات الأعضاء.
وبذلك، فإن ما جرى حول "مؤسسة فيفا للتقدم الكروي"، وفق قراءة الخبير المغربي في القانون وقضايا التحكيم الرياضي عصام الإبراهيمي، لا يمثل فقط سقوط مشروع مالي ضخم، بل يكشف عن معركة أوسع حول من يملك حق رسم مستقبل كرة القدم العالمية، ومن يحدد قواعد العلاقة بين المال والرياضة والحكامة داخل اقوى مؤسسة كروية في العالم.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.