كشفت دراسة حديثة عن تحول ديموغرافي عالمي غير مسبوق، مع تراجع معدل الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني، في اتجاه قد ينهي مرحلة النمو المستمر لعدد سكان العالم ويدفعه إلى الانكماش خلال العقود المقبلة.
وتوقع الباحثان خيسوس فيرنانديز-فيافيردي من جامعة بنسلفانيا وباتريك نوريك من جامعة نورث وسترن، أن يبلغ عدد سكان العالم ذروته عند نحو 9 مليارات نسمة بحلول عام 2056، قبل أن يبدأ في الانخفاض، وهو سيناريو يختلف بشكل كبير عن توقعات الأمم المتحدة.
واعتمدت الدراسة على نموذج إحصائي يستند إلى خمسة عوامل، مع تحليل بيانات 236 دولة وإقليماً خلال الفترة بين 1950 و2023. وخلص الباحثان إلى أن معدل الخصوبة العالمي أصبح بالفعل أدنى من مستوى الإحلال السكاني، الذي حددته الدراسة بنحو 2.2 طفل لكل امرأة.
وأشار الباحثان إلى أن هذا الانخفاض في الخصوبة يمثل تحولاً استثنائياً لم يُسجل بهذه الصورة في التاريخ الحديث، حتى خلال فترات الحروب العالمية والأوبئة الكبرى.
2056.. نقطة التحول
ورغم تراجع معدلات الإنجاب، فإن عدد سكان العالم لن يبدأ بالانخفاض فوراً، بسبب ما يعرف بـ**«الزخم الديموغرافي»**، إذ لا تزال هناك أعداد كبيرة من السكان في سن الإنجاب، ما يسمح باستمرار النمو السكاني لسنوات.
لكن الدراسة تتوقع أن يصل العالم إلى ذروة سكانية تقدر بنحو 9 مليارات نسمة في عام 2056، قبل أن يدخل مرحلة انخفاض تدريجي.
ويختلف هذا التقدير عن توقعات الأمم المتحدة التي تشير إلى إمكانية وصول عدد سكان العالم إلى نحو 10.29 مليار نسمة عام 2084.
ويرى الباحثان أن أحد أسباب هذا الاختلاف يتمثل في ميل نماذج الأمم المتحدة، بحسب تقديرهما، إلى المبالغة في تقدير أعداد المواليد مستقبلاً، إلى جانب عدم الاستفادة بشكل كافٍ من بيانات السجلات الحيوية الرسمية المتاحة في عدد من الدول.
219 دولة تشهد تراجعاً في الخصوبة
ولا يقتصر انخفاض معدلات الإنجاب على الدول المتقدمة، بل امتد بصورة متسارعة إلى البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل.
ووفق الدراسة، تسير 219 دولة في اتجاه تنازلي لمعدلات الخصوبة، بمتوسط انخفاض سنوي يبلغ نحو 0.062 طفل لكل امرأة.
وسجلت بعض الدول معدلات منخفضة بصورة لافتة، بينها تايلاند بـ0.87 طفل لكل امرأة، وكولومبيا بـ1.01، وتونس بـ1.45، والمكسيك بـ1.51.
ما أسباب تراجع الإنجاب؟
ترى الدراسة أن العوامل الاقتصادية، مثل ارتفاع تكاليف السكن والتأمين، لا تكفي وحدها لتفسير انتشار ظاهرة انخفاض الخصوبة على هذا النطاق العالمي.
ويضع الباحثان ما يصفانه بنمط «الحداثة» في صلب هذا التحول، إذ أصبحت تربية الأطفال تتطلب استثمارات أكبر في الوقت والمال، خصوصاً عند الانتقال إلى إنجاب الطفل الثالث، بسبب ارتفاع تكاليف التعليم والرعاية والتأهيل.
وفي المقابل، أسهم انتشار أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وشبكات الحماية الاجتماعية في تقليل اعتماد الأفراد خلال مرحلة الشيخوخة على أبنائهم، مقارنة بما كان سائداً في المجتمعات التقليدية.
قرارات ربع النساء قد تحدث فرقاً كبيراً
وتقدم الدراسة تفسيراً حسابياً للانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة، مشيرة إلى أن تغيير نحو ربع النساء لقراراتهن الإنجابية، باتجاه عدم الإنجاب أو الاكتفاء بطفل واحد، يمكن أن يخفض معدل الخصوبة من 1.8 إلى 1.3 طفل لكل امرأة.
ويرتبط ذلك بطبيعة الإنجاب، إذ إن عدد الأطفال داخل الأسرة يمثل أعداداً صحيحة، ما يعني أن تغير قرارات نسبة محدودة من الأسر يمكن أن يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في المتوسط العام للخصوبة.
فجوة بين العمل والأسرة
وتشير الدراسة أيضاً إلى وجود فجوة بين التحولات التي طرأت على حياة المرأة في مجالي التعليم والعمل وبين التغير في توزيع المسؤوليات الأسرية.
ففي الوقت الذي توسعت فيه الفرص التعليمية والمهنية أمام النساء، لم تتغير التوقعات المرتبطة بأدوار الأسرة ورعاية الأطفال بالسرعة نفسها، وهو ما يرى الباحثان أنه ساهم في تعميق تراجع معدلات الإنجاب.
أما الهواتف الذكية، فلا تعتبرها الدراسة سبباً أساسياً للظاهرة، لكنها ترى أنها ساعدت في تسريع انتشار أنماط وقيم اجتماعية جديدة.
انخفاض الخصوبة يضع الاقتصاد أمام تحديات جديدة
ولا تقتصر آثار التحول الديموغرافي على عدد السكان، إذ تحذر الدراسة من تداعيات اقتصادية محتملة مع تقلص حجم القوة العاملة في المستقبل وارتفاع أعداد كبار السن.
وقد يؤدي تراجع أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل مقابل زيادة أعداد المتقاعدين إلى ضغوط متزايدة على الحكومات، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وخدمة الدين العام.
ويرى الباحثان أن تأثير هذه التحولات لا ينبغي قياسه فقط من خلال دخل الفرد أو مستوى الرفاه، لأن الحكومات ستظل مطالبة بسداد ديون والتزامات مالية ذات قيم إجمالية، في وقت قد تتقلص فيه القاعدة السكانية والعمالية القادرة على تحمل هذه الأعباء.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.