خرق اتفاق غار جبيلات يعيد طرح أسئلة تاريخية وقانونية حول ملف الصحراء الشرقية
أخبارنا المغربية - عبد الإله بوسحابة
أعلنت الجزائر مؤخراً عن إبرام مذكرة تفاهم مع تركيا لاستغلال منجم غار جبيلات، وبدأت بالفعل في تنفيذ مشروع استثماري للمنجم الواقع قرب الحدود المغربية، بمشاركة عدد من الشركات الصينية. وقد أثار هذا التطور ضجة واسعة وتساؤلات حول مشروعية الإجراءات، خصوصاً وأنها تأتي في سياق خلاف محتمل مع اتفاقية التعاون الموقعة بين المغرب والجزائر عام 1972، والتي صادق عليها الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، ونصّت على استغلال مشترك لمناجم الحديد. ويطرح هذا الحدث أسئلة جوهرية حول احترام الالتزامات السابقة، ويدفع إلى إعادة النظر في الأبعاد القانونية والتاريخية للمنطقة، بما في ذلك السيادة والحقوق التاريخية المرتبطة بها.
وارتباطا بالموضوع، يكتسي ملف غار جبيلات، في سياقه التاريخي والسياسي، أهمية تتجاوز كونه مشروعًا معدنيًا استراتيجيًا، ليغدو مدخلًا لإعادة طرح إشكالات سيادية مؤجلة ترتبط مباشرة بملف الصحراء الشرقية. فاستغلال هذا المنجم بشكل أحادي اليوم من قبل الجزائر، لا يمكن فصله عن السياق الذي نشأت فيه التفاهمات المغربية-الجزائرية مطلع السبعينيات، ولا عن الطبيعة المركبة للتسوية التي أفضت إلى اتفاقية ترسيم الحدود سنة 1972، والتي لم تكن مجرد إجراء تقني، بل صفقة سيادية متكاملة قامت على مبدأ المقابل والشراكة وحسن الجوار.

في ذات السياق، تُظهر وثائق أرشيفية، وفي مقدمتها ما نشرته صحيفة The New York Times بتاريخ 31 ماي 1970، أن لقاء تلمسان بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين جرى في سياق نزاع حدودي مفتوح، لم تكن فيه مناطق تندوف وغار جبيلات خاضعة لسيادة جزائرية نهائية. فقد تحدثت الصحيفة صراحة عن "تسوية نزاع حدودي" بين البلدين، وعن اتفاق على استغلال مشترك لرواسب الحديد في منطقة تندوف، وهي صيغة لا تُعتمد في القانون الدولي إلا حين تكون الأرض محل نزاع أو خاضعة لترتيبات انتقالية. كما أشار التقرير إلى إنشاء لجنة لترسيم الحدود اعتمادًا على خرائط استعمارية فرنسية، وهو ما يؤكد أن الحدود لم تكن مرسمة بشكل نهائي، وأن الوضع القانوني للمنطقة ظل غامضًا.
ويزداد هذا المعطى وضوحًا حين تشير الصحيفة إلى أن الخرائط الاستعمارية تركت الحدود الجنوبية للمغرب في منطقة تندوف غير محددة بدقة، وأن موقع منجم غار جبيلات لم يكن نتيجة ترسيم سيادي محسوم، بل مجرد تمثيل خرائطي غير قاطع. كما يكشف النقاش الذي دار آنذاك حول طرق نقل خام الحديد، وإمكانية تصديره عبر المجال الأطلسي المغربي أو عبر الصحراء الخاضعة حينها للاستعمار الإسباني، أن المنطقة كانت تُدرج اقتصاديًا ضمن المجال الغربي، لا ضمن سيادة جزائرية مكتملة الأركان.
وبناء على ما سلف ذكره، يكتسي موقف الجزائر من الصحراء خلال تلك المرحلة دلالة خاصة، إذ تحدث البيان المشترك سنة 1970 عن تنسيق الجهود لتحرير الأراضي التي تحتلها إسبانيا، بما فيها الصحراء، دون أي إشارة إلى تقرير المصير أو إلى كيان سياسي منفصل. وهو ما يعني أن الصحراء كانت تُدرج آنذاك ضمن منطق تصفية الاستعمار، لا ضمن نزاع إقليمي مستقل عن المغرب.

في هذا الصدد، تأتي اتفاقية 1972 في هذا الإطار باعتبارها تتويجًا لتسوية سياسية كبرى، قبل فيها المغرب بترسيم حدود موروثة عن الاستعمار، رغم امتلاكه لأسس تاريخية وإدارية وقانونية قوية للطعن فيها دوليًا، مقابل شراكة استراتيجية في استغلال غار جبيلات وتفاهمات إقليمية أوسع. فقد ظلت تندوف تاريخيًا وإداريًا مرتبطة بالمغرب إلى غاية خريف سنة 1962، وكان آخر قائد مغربي بها هو "السنهوري"، كما تقر الوثائق الفرنسية نفسها بأن هذه المناطق اقتُطعت تدريجيًا من المجال المغربي لأسباب استعمارية.
انطلاقًا من هذا الأساس، فإن شروع الجزائر اليوم في استغلال منجم غار جبيلات بشكل أحادي لا يمكن اعتباره قرارًا اقتصاديًا معزولًا، بل يمثل إخلالًا جوهريًا بأحد الأعمدة التي قامت عليها تسوية 1972. وفي منطق القانون الدولي للمعاهدات، فإن خرق المقابل الجوهري يفتح المجال لإعادة تقييم الالتزامات المرتبطة به، بما فيها الالتزام الحدودي ذاته. وهو ما يجعل ملف الصحراء الشرقية، من زاوية قانونية بحتة، ملفًا لم يُغلق نهائيًا، بل جرى تجميده سياسيًا في انتظار احترام شروط التسوية.
وتتمثل النتائج المباشرة لهذا الوضع في أن الاستغلال الأحادي لغار جبيلات يعيد إدخال عنصر عدم اليقين القانوني إلى المنطقة، ويجعل أي استثمار أجنبي فيها مرتبطًا بنزاع سيادي مؤجل. أما الإكراه الأساسي فيكمن في أن تجاهل هذا البعد لا يلغي الإشكال، بل يعمقه، ويدفع نحو إعادة طرح ملف الصحراء الشرقية لا كخطاب سياسي ظرفي، بل كقضية حقوق تاريخية والتزامات دولية لم يُوفَ بجوهرها.
إن ما تكشفه هذه الوقائع ليس دعوة إلى التصعيد، بل تذكير بأن المعاهدات التي تقوم على الشراكة والمقابل تفقد مشروعيتها حين يُفرغ أحد أطرافها من مضمونها. فالتاريخ، حين يُقرأ بوثائقه لا برواياته الانتقائية، يظل قادرًا على إعادة طرح الأسئلة التي ظُنّ أنها طُويت، ويؤكد أن الملفات السيادية لا تُغلق بالقوة أو الأمر الواقع، بل بالحلول العادلة والالتزام الصادق بالاتفاقات.
