بوشكيوة...القلم الحر
علاء الشاوي
يُقَال عن التعليم المغربي أنه يَلِدُ المجرمين...طبعا لأنه المجرم الأكبر !!
وقد تعددت ضحاياه،فلاقت حتفها باسم القانون،أولهم التلميذ الذي توفي بمنطقة "تيداس" بعد سقوطه في حصة التربية البدنية ،وبهذه المناسبة السعيدة، أتوجه بجزيل الشكر للجهات الإعلامية التي تجاهلت الواقعة،و بدل ذلك اهتمت بنقل خبر المرأة الجبلية التي تربي الماعز و الدجاج البلدي...فهذا أهم بكثير من تلميذ مات دون أن يجد مستوصفا أو حتى قارعة مستوصف كما هي العادة دائما.. أكان يجب عليه أن يكون وزيرا أو ابن وزير كي تُذرف عليه الدموع ،أَلأنه ابن التعليم العمومي ؟ أم لأن ملاعب هذا التعليم هي مقالع للحجارة قبل أن نعتبرها وسطا للعب ؟ أتساءل لماذا أُرسلت أربع طائرات ملكية لأربعة أفراد فقط بينما لم يجدوا حتى سيارة إسعاف لنقله للمستشفى ،'اللهم كثر حسادنا"...يا للسعادة، عن ماذا سوف يحسدوننا ؟
أما "مينة بوشكيوة" ،الضحية الثانية ،فهي أستاذة فلسفة تم توقيفها عن التدريس بتهمة القيام بعملها على أكمل وجه ،و كذا إزالة "الماكياج" الزائف عن وجه آخر هو وجه الحقيقة البشعة، ودون تجاهل تهمة أخرى هي تعكير صفو السيد مدير مؤسستها ،وتجاوز حدود منطقه الميتافيزقي الخارق ،أمره أمر جميع المديرين ،ذوي الديبلومات العليا في قمع مواهب التلاميذ والبصق على الوهج المشتعل بداخلهم إلى أن يصير رمادا...
هكذا كان الأمر،تفاجأت الأستاذة حين لَفَقوا إليها تهمة نشر صور إباحية ومشاركتها مع التلاميذ،قد نعتبرها تهمة حقيقية تنتهي مدة صلاحيتها ما أن تَلج هذا الوطن السعيد، فعندما تُحَاسب أستاذة على نشر صور جد طبيعية (فلو كانت إباحية لاستمتع المدير بمشاهدتها دون الوشاية عنها!!) ،في حين يحصد المغرب النقطة الأولى عالميا في إطار فلسفة البورنو ومواقع الجنس ،يصير الأمر خياليا إلى حد ما، ولن تحتاج حينها إلى استخدام عقلك كي تدرك أن الأمر برِمَتِهِ هو مجرد تصفية للحسابات..,
و تمثلت تهمتها الحقيقية في تحطيم القيود التي أعدوها لها قرب مكتبها في قاعة التدريس، وكسر سياسة تعليمية تشابه سياسة الدولة، أو لنقل أن الأولى هي مجرد نموذج مصغر عن الواقع أو ربما نسخة تجريبية محدودة الأمد...انتقدت المدير ،وحتى زملاءها الفاسدين منهم ، هذا دليل قاطع على "براغْمَاتِيَتِهَا" الجريئة،بل ونعتت الأساتذة بمن"يلصقون مؤخراتهم المتعبة على كراسيهم للقيام بأفظع جريمة في حق المتعلمين"،يا للسعادة ،لأول مرة أرى أستاذا يتحول من سَبِنا نحن التلاميذ إلى انتقاد صديقه الأستاذ.
قرروا توقيفها عن العمل بالثانوية، وحوَلوها إلى مؤسسة ابتدائية ،هنا ،هنا يبدو الأمر منطقيا أكثر بقليل ،أعني أنه ورغم تهمتها الإباحية التي لُفقت لها،فقد وضعوها مرة أخرى في قسم أمام تلاميذ ذوي التسع سنوات، ذلك أفضل بنظرهم، أعني أنه لا يمكن لأطفال مثلهم التأثر بالإباحية،خاصة وأن سنهم لم تُخَولهم بعد لدراسة فلسفة الجنس وبيداغوجيا السرير...لكن من قرروا توقيفها، أغفلوا شيئا واحدا هو أن الأفكار الحرة تولد مع الأجِنَةِ...بالفِطرة !!
هذه الحادثة، بشكل أو بآخر ،(دون أن أعلم ما هو هذا الآخر) تُحِيلُنا لما يجري خارج أسوار المدرسة ،تلك الأسوار التي اِعْتَدْنا تسلقها للفرار من كل "الهُراء" الذي يزين السبورة ببشاعة، قوانين المؤسسة لا تختلف كثيرا عن الدستور ،وهذا الأخير لا يختلف هو الآخر بتاتا عن "الهُراء" الذي تكلمت عنه قبل قليل،الشيء الجميل في الدستور هو أنه لا يمنعك من اعتمار قبعتك وأنت في الشارع ...لكل ثائر مصير يختلف حسَب درجة انتفاضته ومدى شجاعته وتحمله حين يُهَشِمون فمه...في هذه البلاد السعيدة أ صديقي،هم يكرهونك،هم يقتلونك كل يوم دون أن تدري، هم لا يريدونك بينهم، هم يخافون أن تضع لهم العلكة التي زَيَنْتَهَا بالشعرة المسحورة فوق كرسيهم المُتَوارث...طبعا...لأنهم مهددون بالاختفاء في اليوم!!
