لماذا فرنسا وليس غيرها؟ ولماذا شارلي إبدو وليس غيرها أيضا؟؟؟
ابراهيم حياني التزروتي
" إذا أردت أن تسيطر على شعب اخبرهم أنهم معرضون للخطر وحذرهم أن أمنهم تحت التهديد ثم شكك في وطنية من يعارضك" هذه قولة لأدولف لهتلر, لكنها أصبحت أفعالا وسياسات تتبناها العديد من الأنظمة والأحزاب اليمينية في أوربا كما نظرائهم من المحافظين الجدد في أمريكا والغرب عموما, ويتم تبنيها في الخطابات اليومية خاصة في سعيها لتبرير حروبها وهجماتها الإعلامية أو الفكرية أو حتى الأمنية في داخل البلد والعسكرية خارجه على الآخرين, من الذين لا يشاركونها بالضرورة نفس الأفكار والتصورات أو ربما حتى نفس المعتقدات, وبدرجة أولى في ذلك العرب والمسلمين, وهذا ما يحصل الآن في فرنسا بعد الهجوم الأخير على مقر مجلة "شارلي إبدو" المثيرة للجدل.
فرنسا تتعرض لهجوم إرهابي" هذا هو العنوان العريض الذي خرجت به كبريات القنوات وسائل الإعلام في العالم, بعد تعرض مقر المجلة الفرنسية الساخرة والمثيرة للجدل "شارلي إبدو" لهجوم من قبل مسلحين أسفر عن العديد من القتلى والجرحى الأبرياء.
كل العالم أصبح فجأة متضامن مع فرنسا, وأصبحت معها كل دولة وكل بلد وكل حكومة تتفنن في طريقة صياغة بيانات التضامن و المؤازرة وعرض الدعم لفرنسا المسكينة الوديعة المغلوبة على أمرها...و ذلك ما بين الاستنكار والتنديد والشجب وغيرها من عبارات النفاق والتملق السياسي...
نحن بدورنا نتفق وبدون أدنى تردد في ذلك بأن هذا عمل سلوك وعمل همجي ووحشي..وغير مقبول وندينه بأشد عبارات الاستنكار والشجب كما أدانه كافة العقلاء في هذا العالم,نقطة إلى السطر.
لكن لنطرح سؤالا عفويا .لماذا فرنسا بالذات هي من تعرضت للهجوم وليس غيرها؟.ولماذا مجلة شارلي إبدو بالذات وليس غيرها أيضا؟.
منكم من سيقول بأن هذا عمل غير مقبول على الإطلاق ولا يمكن بأي حال من الأحوال ومهما كان تبريره, أو البحث عن مسوغات له, وأنه لا يوجد أي شيء يمكن أي يجعل شخصا أو جماعة معينة تقوم بالهجوم أو قتل وتصفية أشخاص أبرياء بمجرد أنهم عبروا عن آرائهم أو دافعوا عن سياسات وأفكار يؤمنون بها بكل حرية .
سنقول نحن أيضا أننا متفقون معكم و لا يمكن الدفاع عن مثل تلك الأعمال المشينة أو البحث عن مبررات لها... لأن حرية التعبير (مع بعض التحفظ) مكفولة للجميع ولا يمكن بأي حال من الأحوال معاقبة أناس وأشخاص لمجرد أنهم لا يوافقوننا الرأي أو نفس الأفكار.
لكن هذا لم يجب لنا عن السؤال المطروح, أي لماذا فرنسا وليس غيرها, ولماذا هذه المجلة بالذات وليس غيرها. ولن تكون هناك إجابة, لأن الإجابة عنه ببساطة تعني كشف ذلك الستار الذي سيعري ويعبر عن مدى الخبث والنفاق و التمييز وحتى الإنفصامية التي يتعامل معها الغرب ومؤسساته وإعلامه مع الذين لا يبادلونهم أيضا نفس الآراء ونفس الأفكار ,وإن كان ذلك يكون بشكل مختلف وغير ظاهر للإنسان العادي. ونحن هنا سنوفر عنكم عناء الإجابة والبحث عن الأسباب لذلك وليس المبررات له, وكي لا يتهمنا البعض بالدفاع عن أصحاب مثل هذه الأعمال.
فرنسا التي تعرضت للهجوم قامت على الأقل في الخمس سنوات الأخيرة فقط بشكل مباشر بشن ثلاث حروب مختلفة وعلى ثلاث شعوب مختلفة في العالم.
قامت بحرب في مالي بدعوى محاربة الإرهاب وحماية السلطة السياسة فيها بعد أن كانت هي إحدى أكبر المتسببين في الأزمة في هذا البلد. وقامت بحرب في جمهورية أفريقيا الوسطى بالذريعة نفسها رغم أنها هي الأخرى المسببة الرئيسية فيها.
فرنسا هذه أيضا قامت بقيادة تحالف دولي وشن حرب على ليبيا بدعوى انقاد الشعب من ديكتاتورية القذافي, فسقط نظام القذافي وها هي ليبيا كما وعدت فرنسا –أصبحت جنة للديمقراطية في العالم العربي-. كما وعد بذلك الساسة في الاليزيه ودوائر صناعة القرار في باريس.
ليس هذا فقط ففرنسا اليوم تقود حربا جديدا مع أمريكا مع 20 دولة أخرى من العالم على سوريا والعراق بدعوى محاربة الدولة الإسلامية ومحاربة الإرهاب ودائما نفس الاسطوانة.
ثم أيضا وبشكل غير مباشر دعمت فرنسا أو تواطأت مع دول أو جهات أخرى ضد شعوب بلدان مختلفة مثل في رواندا وبوروندي ونيجيريا وفي دعم إسرائيل في حروبها على الفلسطينيين...
هل تساءل أحدكم عن نتائج هذه الحروب التي شنتها فرنسا؟ طبعا لا.. فالناس هناك وفي تلك البلدان بلا قيمة والدم رخيص وليس بقيمة الدم الأوروبي أو الغربي ليتطلب بنا الأمر البحث عن إجابات لمثل تلك الأسئلة. إنها ببساطة تسببت بموت الآلاف وربما عشرات الآلاف من الأبرياء وخلفت آلافا من الأرامل و يتمت آلافا من الأطفال.. هذا دون الحديث عن الخسائر المادية والاقتصادية والانعكاسات الاجتماعية على تلك البلدان, كل هذا ولم نسمع أصوات تستنكر أو تدين أو تشجب بمثل هذه الحدة واللغة والتغطية التي تمت عندما قام أشخاص بشن هجوم أدى لمقتل اثنا عشر شخصا وجرح آخرين فأقيمت عليهم الدنيا ولم تقعد.
أما لماذا صحيفة "شارلي إبدو" وليس غيرها؟ فلأن هذه الصحيفة الأسبوعية ذات التوجهات اليسارية (والتي أُسست لتخلف صحيفة "هارا كيري" الأسبوعية التي تم حظرها بسبب محتواها الذي اعتبرته السلطات الفرنسية عدائيا للغاية حينئذ).قد قامت وفي غير ما مرة بمناسبة أو بدونها بهجمات وإرهابات فكرية ضد العرب والمسلمين وضد معتقداتهم وأفكارهم, وكل هذا لا مشكلة ولا بأس في ذلك و يتم التبرير بذريعة الحرية في التعبير, واصلت المجلة هجوماتها و"إرهابها" للدرجة التي وصل بها الحد للتعرض للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في استفزاز واستخفاف مبين بمشاعر الملايين من المسلمين .
ففي فبراير/شباط 2006 أعادت هذه المجلة نشر اثنين من الرسوم الدانمركية المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي رسوم كانت قد أدت إلى أعمال احتجاج قاتلة قبل ذلك.
في سنة 2011 صدر عدد خاص من الصحيفة الفرنسية بعنوان "الشريعة" بعد فوز حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات التونسية، وكتب ناشرو الصحيفة آنذاك عبارات مسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بهذا الشأن. وقد دافع السياسيون الفرنسيون عن "حق صحيفة شارلي إيبدو في حرية التعبير"..
في يناير 2013، عادت الصحيفة مرة ثانية لعادتها وإرهابها الفكري في استفزاز واستخفاف أخر بمشاعر المليار والنصف من المسلمين حيث نشرت الصحيفة إصدارا مؤلفا من 64 صفحة، ووصفت ذلك العدد بأنه الجزء الأول لسلسلة من الرسوم الكاريكاتيرية الصادمة التي تزعم أنها تصور حياة النبي محمد(صلى الله عليه وسلم).كل هذا يا سادة تم تبريره من قبل السياسيين والعامة في فرنسا وفي كل العالم بأنه يندرج ضمن حرية الرأي المكفولة لكل المواطنين في هذا البلد.
سنقول لهم سنصدقكم وسنسلم بكل ما تدعون فعلا إذا أجبتم عن سؤال واحد فقط لا غير, هل يمكن أن تتجرأ هذه الصحيفة يوما في أي من أعدادها وتسخر أو تشكك في "محرقة الهولوكست",إذا فعلت ذلك فنحن يجب علينا جميعا معشر المسلمين تصديق كل ما يدعون والتسليم به مع طلب الصفح والغفران من شكنا السابق في ذلك...
ونحن نتحدى الصحيفة وليس شارلي إبدو فقط ولكن كل الصحف في فرنسا –حرية التعبير- حتى في التفكير في الأمر بصوت عالي فالأحرى الكتابة عنه أو السخرية منه...لأنه ببساطة حرية التعبير فقط تكون فيما يريدون وفيما لا يريدون, فهم من يحدد وهم من يخطط وهم من يرسم لنا طريقة حياتنا وأسلوب عيشنا...
العديد من الأحزاب والأنظمة الآن في أوروبا وخاصة الأحزاب والحركات اليمينية تلقت هدية ما كانت تحلم بها على الإطلاق حيث سيكون التنافس في معاداة العرب والمسلمين على أشده بينها ومن يعادي أكثر يربح أصواتا أكثر ويحصل على سلطة أكثر ويتمكن بتمرير ومصادقة أكبر على قوانين وإجراءات ما كانت الشعوب تقبل بها لولا مثل هذه الهجمات.
نعود الآن للحديث عن الحادث نفسه فالطريقة والأسلوب الاحترافي الذي نفذت به العملية أكبر بكثير من قدرات أي تنظيم عادي, فالعملية تمت في واضح النهار وفي وقت مثالي حيث موعد الاجتماع الأسبوعي لمجلس إدارة تحرير المجلة, وأربعة من كبار الرسامين لدى الصحيفة قتلوا إلى جانب رئيس التحرير, أي أن المجموعة كان لها علم مسبق بكافة التفاصيل والأهداف المحددة, كما أنه لم يتم إلقاء القبض والى حدود الآن على أي أحد من المنفذين رغم أنها تمت في واضح النهار كما ذكرنا سالفا, وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام كبيرة وبالخط الأحمر العريض أيضا.
مع تفهمنا لحالة الصدمة التي يعيشها الكثيرين من شدة هول ما حدث, لكن كان عليهم أن يفكروا في الأسباب ليحصلوا على الإجابة الشافية وكان على فرنسا أن تضرب الحساب لمثل هذا الأمر, منذ اليوم الذي فكرت أن تفعل ذلك بالآخرين. ونحن هنا مرة أخرى لا نبرر الفعل, وإنما فقط نبحث في الأسباب ونشخص الوضع في حقيقته.
