مغزى الانتخابات التونسية: المآل... للاعتدال !!

مغزى الانتخابات التونسية: المآل... للاعتدال !!


 

الأستاذ : الصادق بنعلال

1 -  حول ثمار "الربيع العربي" :

شهدت تونس مؤخرا استحقاقا سياسيا بالغ الأهمية، بالنسبة للسياق الوطني و الإقليمي و العربي ؛ بمناسبة انتخابات المجلس التأسيسي الذي سيتكفل بإعداد دستور جديد لعهد جمهوري آخر ، بعد الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي . و قد شكل فوز حزب النهضة الإسلامي المعتدل مادة دسمة للتحليل و الاستقراء و الاستنباط ؛ من قبل الخبراء و رجال الإعلام العرب ، و المراقبين الدوليين لما ميز هذا الحدث من خصوصية و فرادة ، على اعتبار أن الانتخابات التونسية ثمرة أولى من ثمار الربيع الديمقراطي الذي شب في ساحات و شوارع الجمهوريات الوراثية كالنار في الهشيم ، فضلا عن المناخ السليم و الصحي الذي مرت فيه هذه التجربة العربية من حيث النزاهة و الشفافية و التنافس الحزبي الشريف .. في انتظار استحقاقات عربية أخرى في المغرب و مصر و ليبيا .. قد تجسد تحولا ديمقراطيا ارتقبناه  سنين عددا ، و ما كنا لننتظر "أصحاب السمو و الرفعة و الجلالة و المهابة" أن "يفهموا" تطلعات الشعوب و مطالبهم العادلة والمشروعة المتمثلة في الكرامة و الحرية و العدالة و المساواة .. لولا انتفاضات شبابية هادرة أعادت الاعتبار للمواطن العربي ، الذي طالما أمضى عقودا تحت القهر و الاستبداد و الفساد ، تحت تصرف حكام نزقين اشتهروا بالجهل و البلاهة و الجنون و الجبروت ، وهدر المال العام دون حسيب أو رقيب ، إلى أن جاء ت "اللحظة التاريخية" لتعيد هؤلاء "القادة الأشاوس" إلى مكانتهم الطبيعية : ليذوقوا من الكأس التي سقوا بها شعوبهم ؛ كأس المذلة و الوضاعة و المسكنة!

2 -  الصعود الإسلامي بين التهليل و التخويف :

بيد أن الإنجاز الكبير الذي حققه حزب النهضة لم يحظ بإجماع كل الفرقاء السياسيين المحليين و الدوليين ، بل هناك من هلل لهذا الأداء غير المسبوق عربيا ، و اعتبره "طالع يمن" ، و فتحا لأبواب الأمل ، و منطلقا لمرحلة المنجزات "العظمى" سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و حضاريا ،لأن فوز حزب النهضة رسالة واضحة إلى الاستئصاليين الذين يسعون  كل السعي إلى حرمان الإسلاميين المعتدلين من المشاركة السياسية المؤسسية ، و منعهم من تقديم الدليل على كفاءتهم في تجسيد الحكامة الراشدة ،  و هناك من عبر عن امتعاضه و تخوفه من "الخريف العربي" ، و عودة تيار الإسلام السياسي ، و بالغ في شيطنته ، لأنه قد يهدد" المكاسب العلمانية ، كالمساواة بين الرجال و النساء و حرية اللباس و حرية التفكير و التعبير عن المعتقد" حسب تعبير أحد ممثلي العلمانية المعطوبة (أحمد عصيد ) . بل إن هناك من حذر إدارة الرئيس الأمريكي أوباما من مغبة المغامرة "بالمستقبل الأمريكي (كذا!) في المنطقة العربية" إذا هي تعاطت إيجابيا مع الإسلام المعتدل( راندة درغام ) . و الواقع الذي لا يرتفع هو أن الشعب التونسي قرر مصيره بنفسه ، و اختار بكل حرية و طواعية من يثق فيه بعد "سنوات الضياع" بين مخالب الاستبداد و الفساد و القمع البوليسي ، و خرافة "المعجزة الاقتصادية" المفترى عليها . لقد صوت التونسيون للحزبين الأكثر اعتدالا في المشهد السياسي في بلاد شاعر أغاني الحياة (أبو القاسم الشابي) ، و هما حزب النهضة الإسلامي و حزب المؤتمر من أجل الجمهورية العلماني في مناخ سياسي  موسوم بالتوتر و الحدية يمينا و يسارا!( علي أنوزلا) .   

3 -  في أفق قراءة عقلانية للمشهد السياسي العربي :

وكان من المفترض أن يتم التعاطي مع الظاهرة الإسلامية بقدر من الموضوعية و الحياد العلمي على أقل تقدير، و مقاربة  "الوافد الجديد" أو ما ينعت بالإسلام السياسي من منظور عقلاني هادئ ، بعيدا عن الأفكار المسبقة و الأحكام الجاهزة و محاكمة النوايا . إن المكون الإسلامي عنصر بنيوي في كيان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ، و إذا كان قد حرم من حق التعبير عن ذاته ضمن هيئات سياسية شرعية طيلة عقود القمع و الإقصاء ، فإن هذا لا يحول دون إفساح المجال للأحزاب "الإسلامية" الوطنية و المعتدلة و المؤمنة بالقيم الديمقراطية ؛ ذات الصلة بمأسسة المجتمع و احترام الدستور و القوانين و المواثيق الداخلية و الدولية ، و قبول مبدأ التداول على السلطة بشكل دوري مرسوم ، في ظل انتخابات حرة و نزيهة و ذات مصداقية ؛ تتصارع فيها مختلف الأحزاب الحاملة لمشروع مجتمعي واقعي و قابل للإنجاز و الأجرأة ، من أجل الدفع بعجلة التنمية الشاملة و اللحاق بركب الدول المحترمة ، دون ذلك ليس أمامنا سوى "نموذج" / مغامرة النظام الجزائري سيئ الذكر، في مستهل التسعينيات من القرن الماضي ؛ حيث تدخل الجيش لإسقاط الديمقراطية بوحشية على مرأى العالم ، و إفشال أول انتخابات عربية ناجحة حسب المقاييس الديمقراطية "المتعارف عليها دوليا" ! والعودة بالبلاد سنوات إلى الوراء . فلنتخل عن تبادل الاتهامات المجانية ، ولنضع حدا للأوهام التي يحملها كل طرف إزاء الآخر ، و لندرك أنه ليس هناك إطار سياسي واحد يمكن أن يستأثر بالحكم ، إذ لا بد من جبهة أو كتلة وطنية منسجمة تعمل كرجل واحد لتفعيل برنامج حكومي مدقق و شامل ، يأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب و تطلعاته نحو الأفضل و الأجدى ، و إذا كنا قد توقفنا عند تيار الإسلام السياسي في هذه المقالة فإن هذا لا يعني بحال من الأحوال ، أننا نناصره على حساب باقي الهيئات الحزبية الأخرى . لقد علمنا فقيد العقلانية العربية محمد عابد الجابري ، أن الانحياز إذا كان لا بد منه ، فليكن ؛ لكن للديمقراطية !!

باحث في قضايا الفكر و السياسة

[email protected]

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة