حزب العدالة والتنمية المغربي اللبس والغموض المتجدد
محمد باجي
لا غرابة أن نلحظ كل هذه التخبطات المتتالية داخل حزب العدالة والتنمية المغربي لأن فهم حقيقة واحدة ووحيدة تتعشش في معظم الأحزاب في المغرب وتتمثل في غياب رؤى سياسية شمولية تكون البوثقة التي تنصهر فيها مشاكل البلاد لكاف وحده بأن يوصف حزب بنكيران بالشارد الهائم المتخبط المتردد والمنساق مع أي جديد مستجد دون الوقوف على حقائقه ، فصَلُح بذلك أن نقول أن هذا الأخير كأمثاله جعجعة بلا طحين .
إن المرجعية الإسلامية التي يتبجح بها العداليون - ليس تهجما أو تهديدا للإسلام وإنما لكشف اللبس - ملك لكل المغاربة المسلمين ، وعليه فلا داعي لتسخير الدين في الأطروحات السياسية المتعفنة أو التي تروم التمظهر والتموضع في المشهد السياسي بالتزييف ودر الرماد في العيون والإستغلال للمشترك المغربي الديني والثقافي لغاية في نفس يعقوب ، نعم جميل أن يكون حزب العدالة والتنمية يصنف نفسه ضمن الأحزاب التي تطمح إلى رئاسة الحكومة المغربية لكن هل يعتقد مناضلوه أنهم يستوفون في برنامجهم السياسي لكل ما يؤهلهم لخوض هذا الغمار ؟ نظن أن الأمر ليس كذلك وكما أسلفنا فجميع الأحزاب في بلدنا بعيدة كل البعد عن حقيقة الإنشغال بقضايا البلد المستعجلة ، ويظهر ذلك جليا في النقاشات الجانبية للقضايا وفي المشاكسات البيفردية بين رموز مصلحية تبحث لها عن موطئ قدم في خارطة اقتصاد الريع .
يقول الاستاذ احمد عصيد : " وقد أصبح يبدو حتى بالنسبة للملاحظين المحايدين، بأنّ هذا الحزب يتجه بالتدريج نحو أن يبقى معزولا تماما في الحياة السياسية، ليس بسبب أنه محاط بالأعداء كما يعتقد أعضاؤه، بل فقط بسبب مشروعه وأسلوبه في التعامل مع من يخالفه في الرأي .
فالإسلاميون لا يتوقفون عن التذمر من غيرهم، لكنهم قلما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة. إن عزلة الإسلاميين في الحياة السياسية هي بسبب طبيعة مشروعهم، والأهداف التي يسعون إليها، والتي لا تبعث على اطمئنان القوى الديمقراطية، السياسية منها والمدنية، لأن الخوف من فقدان المكاسب الهشّة، هو أمر طبيعي في نسق استبدادي لم يستكمل بعد انتقاله إلى وضع الأسس الصلبة للديمقراطية، الضامنة للحقوق والحريات ولإرساء دولة القانون " .
بالعودة إذن إلى كلام الأستاذ عصيد يتضح جليا أن حزب العدالة والتنمية قد أوقع نفسه في مأزق لا يحسد عليه ، ونستحضر بهذا الخصوص نزق أمينه العام السيد عبد الإله بنكيران الذي ارتكب أخطاء فادحة عندما انساق وراء الأطروحة القومية العنصرية لحزب الإستقلال والتي جندت كل إمكانياتها للهجوم على اللغة الأمازيغية وحرفها التاريخي تيفيناغ بل وصل الحال بمتبنيها إلى حد رفع ملتمس إلى القصر قبيل ساعات من إعلان الوثيقة الدستورية في صيغتها النهائية من أجل التصويت قصد مراجعة تضمين الأمازيغية لغة مدسترة بالمغرب ، وبذلك فالعدالة والتنمية أساءت إلى سمعتها عندما سايرت رفاق امحمد بوستة الإستقلاليين أصحاب المقترح الشهير تعريب الحياة العامة ، فأضحت مسألة اللغة والهوية هي السبب الذي قصم ظهر البعير وجعلت أبناء الخطيب يفقدون الكثير من المصداقية التي يفتقدوها أصلا بسبب ازدواج المواقف وعدم الوضوح .
إن حربائية العدالة والتنمية أصبحت مكشوفة ومفضوحة للعيان لا سيما بعد اللعبة المؤامرة المحبوكة قبل إعلان الوثيقة الدستورية والتي انقلبت عليهم بعد أن كانوا مستميتين على نجاحها أكثر من الأذرع المخزنية المنتظر منها ذلك دون عجب أو غرابة لأنها تبقى في نهاية المطاف في مصاف التعليمات ، أما الأحزاب وحزب العدالة والتنمية فهي معرضة للمحاسبة لأن الديمقراطية الحقة لا تؤمن بالمشاجب التي تعلق عليها الإنتكاسات وإنما بالمواجهة السياسية النبيلة التي تصفي كدر مستنقع الأخطاء القاتلة ، هذا بالفعل ما لم تقم به كثيبة بنكيران بل زادت الطين بلة عندما نصبت نفسها ضحية للداخلية ، فبدأ التباكي على التقطيع الإنتخابي وعلى المشروع التنظيمي للإنتخابات وكذلك على بقاء الممارسات القديمة المخلة بصفاء جو المنافسة ، ليظهر مجددا بنكيران حاملا لواء التهديد بفضح الممارسات السالفة الذكر إن لم يفز برئاسة الحكومة المقبلة مما أضر مجددا بمصداقية حزبه وجعل الكثيرين ينفرون منه ، فالدعاية للدستور والتصويت له هو في حد ذاته موافقة على أسس اللعبة السياسية التي ستأتي مستقبلا كيفما كان نوعها ، فلماذا كل هذه اللغط الكبير وهذا التهديد المفضوح إذا علمنا أن بنكيران نفسه وحزبه أيضا استغلا الحراك الإجتماعي للتموقع والتمظهر في السياق الوطني السياسي الشامل ثم بعد ذلك ارتموا في أحضان الإنتخابات معتبرين أنفسهم أبطالا لا يشق لهم غبار وهاهم يطلون مجددا وهم يتباكون ويهددون بالعودة إلى الإحتجاجات كأنهم لم يكونوا ذات يوم يتناقضون مع حراك الفبرايريين .
إن المستغرب حقا كما يقول عصيد هو الشغب الذي عمدوا إليه مؤخرا من أجل إدانة اللعبة التي احتكموا إليها مع غيرهم، والتي بدا أنهم قد ضجروا منها بعد أن ثبت لديهم بأنها قد لا تؤدي إلى ما يريدون. فما يحدث يدلّ بشكل قاطع على أنّ قيادة هذا الحزب قد اعتقدت فعلا بأنّ السلطة يمكن أن تغيّر بعض أساليبها في تدبير الشأن الإنتخابي لصالحهم، بعد كل الجهود التي بذلوها، باعتبارهم طرفا من اليمين المحافظ، من أجل دعم مشروع السلطة في تدبير المرحلة الحالية والخروج منها دون تغيير كبير يرقى إلى مستوى انتظارات الديمقراطيين المغاربة .
