الدولة بين مطرقة الإسلاميين و سندان المشاركة الضئيلة !
الكاتب : أيوب بوغضن* أولا ، قبل البدء لا بد من تحديد ماهية الدولة التي نتحدث عنها في هذا المقال و ما ما نقصده بها . الدولة نعني بها ، من يسيرها و يتحكم في خريطتها السياسية. لا ريب أن من يقود سفينة بلادنا ليست هي الحكومة ، فهذه الأخيرة مجرد كراكز و آليات أو إن صح التعبير لعبة تنتظر أوامر و توجيهات أداة التحكم عن بعد . كما أننا لا نعني بالدولة '' الملكية '' ، فالملك ، عبر غير ما مرة في عن إرادة و رغبة في الإصلاح و تغيير وضع البلاد نحو الأفضل .. تتجه التأويلات و التفاسير حيال ما تمارسه الدولة من إقصاء للفاعل الإسلامي في مختلف المناحي ، و أبرز مثال مؤخرا حرمان هذا الفاعل من تمثيلية داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ،إضافة إلى وجود رغبة جامحة لدى المتحكمين في الخريطة السياسية للبلاد في استئصال الفاعل الإسلامي من مراكز القرار أوالوقوف حجر عثرة دون وصوله إليها . . و من مراكز القرار المؤثرة ، حاليا بعد إقرار الدستور الجديد الذي يمنح صلاحيات موسعة للمؤسسة التشريعية ؛ البرلمان . لا ريب أن الدولة سمحت للفاعل الإسلامي بنصيب ، ليس بالهين ، من المقاعد البرلمانية ، هذا النصيب بَوَّأَه الرتب الأولى .. لكن الملاحظ رغم ذلك ، أنه مازالت الإرادة غائبة لدى الدولة ، و ما زال صدرها ضيقا لقبول الفاعل الإسلامي في الحكم . و يُرجع بعض المتتبعين الأمر ، إلى استقلالية هذا الفاعل في قراراته التي تتخذ بطريقة ديمقراطية شفافة عبر مؤسساته التقريرية و التنفيذية ( المجلس الوطني ، الأمانة العامة ..) ، و بالتالي فهو فاعل غير خاضع لإملاءات خارجية و غير تابع لآليات تحكمية أو أجندات معينة ، فمواقفه و قراراته واضحة و ضوح الشمس في رابعة النهار ، لا غبار عليها ، تُتخذ علانية .. أما القول بأن سبب تخوف الدولة من وصول الفاعل الإسلامي إلى الحكم ، سببه '' الخطر الأصولي '' القادم و فرض الشريعة الإسلامية الناتج عن هذا الحكم ، ما هو إلا سعي لتغطية الشمس بالغربال ، و إيهام المتتبع بأساطير و خرافات مصطنعة من طرف الأنظمة المستبدة و الظالمة في مختلف ربوع العالم العربي ، سرعان ما تبددت بفعل إرادة الشعوب الحقيقية و الثورات العربية ـ الأمازيغية التي أسقطت ما يسمى '' فزاعة الاسلاميين '' بل أظهرت هذه الثورات تعطش الشعوب الإسلامية لحكم جديد متمثل في الفاعلين الإسلاميين ( نموذج تونس ) بعدما ملت هذه الشعوب من الليبراليين و الاشتراكيين و العلمانية التي فُرضت عليها عنوة رغم إرادتها و هو ما جسده النموذج التونسي الذي أشرنا إليه آنفا الذي فرضت على شعبه العلمانية بالحديد و النار لعدة عقود و رغم ذلك مازال الشعب مرتبطا بهويته الاسلامية التي تجري فيه مجرى الدم من خلال اختياره لفاعل إسلامي حاكما له . تستعمل الدولة شتى الطرق لتنفيذ مبتغاها الجلي في الوقوف دون وصول الفاعل الإسلامي إلى الحكم ، بدء ا بالقوانين المنظمة للانتخابات التي ناضلت من أجل أن تكون مغايرة لمقترحات الفاعل الإسلامي . و عندما اعتبر الفاعل المذكور ، أن القوانين المنظمة للانتخابات لا تعكس التأويل الديمقراطي المنشود للدستور الجديد ، بل تكرس نفس أساليب التحكم السابقة . جاءت صرخات الدولة ممثلة في أداتها '' الحكومة '' بالوعيد و التنديد بمن سمتهم '' المشككين '' . هؤلاء '' المشككون '' الذين أرادوا الخير لهذه البلاد و العباد ، بالمطالبة بقوانين منظمة لانتخابات تمهد لانتخابات نزيهة و شفافة تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية و بالتالي السير بالبلاد إلى مرفإ الأمان . لكن لا حياة لمن تنادي ، فنفس منهج إدارة الانتخابات السابقة هو المتبع والأساليب هي هي .. و الدولة تسير بالبلاد إلى الهاوية ( كما قال الأستاذ عمر أحرشان ـ قيادي في جماعة العدل و الإحسان ـ : إصلاحات '' المخزن'' بعد 20 فبراير ستنهار بعد 25 نونبر ) . تعتبر نسبة المشاركة شغلا مؤرقا للدولة فهي من جهة لا تريد أن تُقبح الصورة المشرفة التي حظيت بها بعد إقرار الدستور الجديد ،كما لا تريد أن تفقد كلمة '' النموذج '' الذي يحتذى في الإصلاحات السياسية المؤدية للديمقراطية الحقة . فنسبة المشاركة الضئيلة و الديمقراطية ضدان لا يلتقيان ، فالنسبة الضئيلة لا تعبر عن إرادة الشعب و بالتالي فالمشاركة ربما تؤثر على الصور المشرقة التي عكستها الدولة للأجانب و العرب و المسلمين .. كما أن المغرب بدأ يفقد صدارته في '' الإصلاحات '' في العالم العربي لصالح تونس ودول أخرى , كما بينت العديد من الاستطلاعات من بينها استطلاع '' هسبريس '' الذي كشف أن إجراء انتخابات ديمقراطية في تونس يحرج الإدارة المغربية . و من جهة أخرى ، الفاعل الإسلامي يراهن على المشاركة المكثفة ، و بالتالي الدولة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء المشاركة بل ستسعى جاهدة كما سعت من قبل إلى تقليص النسبة ، و تشجيع العزوف و ذلك بممارستها لسياسة مزدوجة المعايير ؛ ففي خطابها الرسمي و عبر الإعلام العمومي هي تؤكد على أهمية المشاركة في الانتخابات في حين تكرس في الواقع منطق إقصاء شريحة مهمة من الشعب عن طريق '' التشطيب '' خصوصا على أنصار الفاعل الإسلامي و المشروع الإسلامي عامة و عدم إيفادهم بالإشعار إلا بعد فوات الأوان .. خلاصة القول ، أن الدولة الآن بين مطرقة فوز الفاعل الإسلامي و سندان المشاركة الضئيلة ، لكن يبدو أن نسبة المشاركة لا تهمها بقدر بما تهمها العودة لأساليب التحكم في الحياة السياسية بعد 25 نونبر ، كما أن صورتها في الخارج لا تعيرها اهتماما ( فالمغرب يحتل عالميا و يحطم الأرقام القياسية في ملفات الفساد الأخلاقي كالدعارة و السياسي كالرشوة ، في حين يحتل رتبا متخلفة في مؤشر التنمية البشرية و النمو ...) .
