الانتخابات المغربية: دواعي المشاركة ورهاناتها

الانتخابات المغربية: دواعي المشاركة ورهاناتها

 


 الصادق بنعلال


1 -شهدت الاستحقاقات السياسية الرئاسية والنيابية والجماعية فتورا ملحوظا في السنين الأخيرة، في مختلف الأنظمة الديمقراطية العالمية، جراء عوامل موضوعية من ضمنها طوفان العولمة؛ مما أخل بقواعد التوازن السوسيو اقتصادي وأشعل فتيل التجاذبات السياسية الطاحنة؛ كان ضحيتها ملايين العمال وآلاف المشاريع المحركة للفاعلية الإنتاجية، وانتشار الفوارق الاجتماعية المجحفة وتراجع قيم العدالة والمساواة والعدل .. ولعل عجز الهيئات والأطر الحزبية والساسة أمام المطالب والتطلعات الشعبية أدى إلى سيادة النزعة الانكفائية والإحجام عن المشاركة السياسية برمتها، ما دام المواطن لا يرى تحيين البرامج الانتخابية وتفعيلها على أرض الواقع. ولئن كانت المملكة المغربية تعد من الدول العربية القليلة التي اتخذت منذ الاستقلال (1956 )، من الليبرالية والديمقراطية والتعددية الحزبية منطلقا لها في تسيير دواليب الحكم، إلا أنها لم تتمكن من إرساء تجربة سياسية ديمقراطية كما هو متعارف عليها دوليا، نتيجة نزعة الضبط القبلي والتحكم في نتائج الانتخابات وخلق أحزاب إدارية تخضع بالكامل لإملاءات السلطة المركزية، خوفا مما قد تفرزه الصناديق من نتائج تتعارض ومصالح أصحاب القرار. وقد فوت هذا الدوران في الحلقة المفرغة على المغرب فرصا سانحة لبناء نظام سياسي ديمقراطي فعال، مما أفضى إلى انتشار نوع من الإحباط واليأس من إمكانية التغيير المؤسسي، وشبه التسليم بكون التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي .. بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا! فضلا عما يعتور العمليات الانتخابية من مسلكيات مشينة كشراء الذمم والأصوات وانعدام ضمانات النزاهة والشفافية، والتدخل السلبي للإدارة المشرفة على سير عملية الاستحقاقات المعنية بالأمر، كل ذلك وغيره كثير ساهم في طغيان نزعة العزوف والانكفاء والمقاطعة شبه التامة 'للمعارك الانتخابية' .
2 - وجرت مياه متدفقة تحت جسر الأمة العربية، وبعد عقود من الانكسارات والهزائم وأوهام المشاريع الوحدوية والصفقات والاستثمارات الفاشلة، وتغول 'القادة' العرب في الاستبداد والفساد والقمع .. تأتي ساعة الحقيقة وتنفجر أرض العرب انفجارا، إيذانا بقدوم ربيع ديمقراطي نوعي؛ ممثلا في الشبان المتعلمين والمتفاعلين مع المنجزات التكنولوجية الحديثة، والذين اجتاحوا ميادين وساحات التغيير في المدن والقرى من المحيط إلى الخليج، هاتفين بالتغيير والإصلاح وإسقاط الأنظمة البدائية منتهية الصلاحية، ومطالبين بمحاكمة من أساءوا إلى الشعوب وعاثوا في الأرض فساد ا، والمحصلة: سقوط ثلاثة 'زعماء' ومنهم من ينتظر!
و يمكن القول دون أية مزايدة أو ادعاء مجاني إن المملكة المغربية شكلت استثناء ملفتا في تعاطيها مع الحراك الشعبي الوطني، فبمجرد أن هب الشبان المغاربة للتعبير عن مطالبهم العادلة بالحرية والكرامة والعدالة وإسقاط الفساد والاستبداد (20 فبراير 2011)، تدخل العاهل المغربي في خطاب تاريخي ألقاه إلى الشعب (9-3-2011) ليعبر عن استعداد النظام لإحداث تغييرات جذرية وعميقة تلبي مطالب الشارع المغربي التواق إلى التجديد والتغيير، وتم الإعلان عن حزمة من الإصلاحات المحرقية على رأسها تغيير الدستور ليكون مطابقا ومنطق القرن الواحد والعشرين ! وقد تم التصويت عليه من قبل الشعب، وإطلاق سراح أغلبية المعتقلين السياسيين وإنشاء مجالس إستراتيجية سويسيو اقتصادية .. والآن تعيش المملكة المغربية على إيقاع الحملة الانتخابية البرلمانية، ولئن كانت بعض الأحزاب قد أعلنت مقاطعتها لهذا الاستحقاق الوطني، وهي على كل حال هيئات حزبية صغيرة جدا وذات ميول يسارية متقادمة ومتجاوزة، وتيار ديني أصولي يجد في الإحجام عن المشاركة هواية مفضلة في انتظار 'الذي يأتي ولا يأتي'، فهناك أكثر من سبب يدعو للإدلاء بالأصوات يوم الاقتراع (25-11-2011)، على رأسها أن المقاطعة في حد ذاتها هدية لأعداء الديمقراطية وجيوب مقاومة التغيير، كما أنه يصعب التدخل السلبي في العملية الانتخابية القادمة والتأثير على مجرياتها في مناخ مشحون وقابل للانفجار في أية لحظة!
3 - ولعل أبرز التحديات التي تواجه الشعب المغربي في هذه الانتخابات التشريعية المبكرة، وفي سياق دستور جديد يدعو إلى توسيع هامش الديمقراطية وتعزيز دور البرلمان ورئاسة الحكومة، ويلح على مبدأي المراقبة والمحاسبة، هو الشفافية والمصداقية؛ نريدها استحقاقات نزيهة تحظى بإجماع كل الفرقاء السياسيين بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، وطروحاتهم العقائدية ، وبرامجهم المجتمعية، لمعرفة الخريطة السياسية الوطنية والأطراف الفاعلة من دون رتوش أو محسنات مقحمة، خاصة وأن الجميع ينتظر ميلاد أول تجربة سياسية ناجحة وملموسة بعد عقود من الزيف والتلاعب بإرادة المواطنين. كما أن هناك تحديا آخر يتجسد في نسبة المشاركة، ومعلوم أن مشاركة المواطنين في الاقتراع البرلماني المغربي الأخير (2007) لم تتجاوز 37 في المائة، وإذا أشرفت هذه النسبة على خمسين في المائة سيكون ذلك نجاح كبيرا، بالمقارنة مع باقي التجارب الانتخابية الدولية التي لم تعد تقوى على الوصول إلى الأرقام 'الدسمة'، ونفترض أن المواطنين المغاربة لن يقاطعوا هذا النزال السياسي، ولن يتأثروا بالداعين إلى الإحجام عن المشاركة، لأن أغلب هؤلاء إنما اختاروا هذا القرار خوفا من المنافسة، وانكشاف حجمهم الضئيل وغير المؤثر، وعدم وضوحهم في الدفاع عن ثوابت الأمة التي لا يمكن أن يتنازل عنها أي مواطن مغربي حر وهي : الدين الإسلامي المعتدل والوحدة الترابية والملكية الديمقراطية.
و أخيرا وليس آخرا كما يقال، تراهن المملكة المغربية على القطع الفعلي والجاد مع الممارسات السياسوية البالية، من أجل التعاطي الإيجابي مع مستلزمات اللحظة التاريخية المفصلية، والانخراط في مرحلة جديدة من مراحل المسار الديمقراطي، والاستجابة لتطلعات المواطنين في العيش الكريم والحكامة الرشيدة والاستقرار والتقدم. فهل ينجح المغاربة في صناعة مستقبلهم واجتراح غدهم المأمول في سلاسة ووئام؟ أملنا في ذلك عظيم.

 


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة