الإشارة إلى ظل الاسد

الإشارة إلى ظل الاسد

 

علي أنوزلا

المتتبع لما كتب وما قيل عن تعيين فؤاد عالي الهمة، مستشارا ملكيا، على الأقل داخل المغرب، يخرج بخلاصتين متناقضتين مفادهما أن التعيين هو نوع من "العزل" للرجل الذي أثار الكثير من الجدل داخل الساحة السياسية المغربية، أو "المكافئة"، لخادم القصر الذي أدى مهمته بإتقان وعاد إلى "دفة الاحتياط" في انتظار التكليف المقبل والخطة المنتظرة.

علي أنوزلا

ويمكن التمييز بين عدة قراءات لهذا التعيين، وذلك من خلال ما صدر من تعليقات وكتابات عن فاعلين ومراقبين سياسيين. قراءة تقول بأن التعيين هو طي لمرحلة الرجل السياسي الذي أسس حزب "الأصالة والمعاصرة"، وحاول خلط الأوراق في الساحة السياسية، وكأن الرجل لم يكن سوى منفذ لتعليمات إلى أن أعطي الأمر بالعودة إلى قواعده سالما حتى وإن لم يكن غانما. وقراءة يذهب أصحابها إلى اعتبار التعيين نوعا من "العقاب"، أو "التأديب"، وفيه استجابة لمطالب الشارع ولجزء من الطبقة السياسية التي طالبت برحيل الهمة عن المجال السياسي، وبحسب وجهة نظر أصحاب هذه القراءة فإن القرار الملكي فرض على الهمة نوعا من "الرحيل" السياسي عن المشهد السياسي، لكنه "رحيل" فيه الكثير من المجاملة والتدلل. وهناك أصحاب القراءات السطحية اللذين منحهم القرار الملكي الفرصة للتشفي في غريم سياسي لم يكونوا يجرؤون على مواجهته عندما كان ينازلهم في الساحة السياسية. والمفارقة في قراءة هؤلاء أنهم يعتبرون التعيين انتصارا لهم، ويظهر ذلك من خلال رسائل تهنئتهم المجاملة والتي تقطر تشفيا في يتصورونه نهاية للرجل. وهناك قراءات من كانوا لا يخفون خصومتهم للهمة وواجهوه على الساحة السياسية، وطالبوا برحيله، وعندما تم تعيينه ابتلعوا ألسنتهم وتوسلوا له الصفح على اعتبار أن من كان خصمهم هو مشروعه وليس هو نفسه!

وبالمقابل ثمة قراءات لم ترى في هذا التعيين سوى محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في انتظار الجولة المقبلة من النزال السياسي. بل ومن بين أصحاب هذه القراءات من اعتبر أن التعيينات الأخيرة في الديوان الملكي هي تنصيب لحكومة ظل جديدة داخل دهاليز القصر الملكي، ستكون الآمرة الناهية بأمرها. وقريبا من هذه القراءة هناك قراءات أخرى لم ترى في التعيين الأخير لصديق الملك سوى حركة أخرى من حركات لعبة الكراسي الموسيقية، التي يكون الفوز فيها في الأخير للاعب واحد أوحد...

وبعيدا عن كل هذه القراءات المتناقضة، حسب تناقض الخلفيات التي تنطلق منها، ولوضع التعيين الأخير في سياقه، يجب الانطلاق من كون الهمة كان حتى قبيل صدور بيان الديوان الملكي، فاعلا سياسيا وصاحب مشروع سياسي. وإذا سلمنا بأن تعيينه مكافئة له، فإن ذلك يعني أنه نجح في مشروعه السياسي، وهو الأمر الذي لم يتحقق على أرض الواقع. فأول ما خرجت المظاهرات الاحتجاجية في الشارع طالبت برحيل الهمة وإسقاط مشروعه السياسي. وبالتالي فإن التعيين الأخير لا يمكن أن يعتبر مكافئة لصاحب مشروع أثبت فشله على أرض الواقع. وإذا ما اعتبرنا أن التعيين "عقاب" أو "تأديب"، فإن ذلك يتناقض مع رمزية المنصب الذي أسند إليه والمؤسسة الملكية التي أصبح يشتغل من داخلها!

وهناك من عباقرة "التنظير" في الساحة السياسية من ينظرون إلى التعيين الأخير بمثابة "إلجام" لقوة الرجل. وهذا أيضا يفترض أن للهمة قوة خارقة تجعل أن إلجامه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مكافئته وتبوأته المنصب الذي أصبح يحتله. وحتى في مثل هذا القراءة الكثير من التناقضات، لأنه لو افترضنا أن للرجل "كل هذه القوة"، التي يخشاها خصومه فلماذا انسحب من ساحة النزال السياسي وتركها لهم فارغة على عروشها إلا من صيحات المطالبة بإسقاط مشروعه؟ !

عندما أعلن الهمة عام 2007 استقالته المفترضة من وزارة الداخلية، أتذكر أني كتبت بجريدة "المساء" مقالا تحت عنوان "الاستقالة المستحيلة"، وفيه قلت إن الهمة لا يمكنه أن يستقيل وإنما أقيل، لأن من يشتغل في دار المخزن لايملك قرار استقالته أو إقالته. وعندما ترشح الهمة بمنطقته الرحامنة، كان أول مقال عن ترشحه بتوقيعي بنفس الجريدة يحمل عنوان "مرشح سيدنا بالرحامنة". ولما أسس الهمة حزبه كتبت "الجريدة الأولى"، التي كنت أديرها "ميلاد حزب القصر". فالهمة كصديق للملك، ظل دائما منفذا لتعليمات الملك، سواء داخل الوزارة أو داخل الحزب، وسيبقى كذلك داخل الديوان الملكي. ولا يعني هذا إعفاءه من تحمل مسؤولية قراراته عندما كان في وزارة الداخلية، أو من فشل مشاريعه السياسية، ولكن سيكون من الجبن الإشارة فقط إلى ظل الاسد ...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة